كثيراً ما سمع العرب تصريحات عن سلام الشرق الأوسط تشبه تلك التصريحات التي قالها الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما في خطاب التنصيب وما لحقه من تصريحات وتعيينات لوسطاء ومبعوثين جدد، يكثر الجدل حولهم حاليا وحول مدى قدرتهم على تغيير الواقع الذي فرضته اسرائيل على المنطقة وعلى الادارات الاميركية السابقة لتعطيل السلام وقتل الروح التي تتولد مع كل ادارة جديدة في البيت الابيض لمعالجة هذا الصراع المزمن في العالم العربي، والذي يعتبر منبتا لكل النزاعات الاخرى ليس في منطقتنا فحسب ، بل في العالم اجمع.

في كل مرة يتشدق فيها زعماء اميركيون بانهم معنيون بسلام الشرق الأوسط نجدهم يتقاعسون امام اسرائيل ويخرجون من السلطة دون احراز اية نتيجة تخدم سلام المنطقة، وتبقى الشعارات مجرد معزوفات جوفاء يتم توارثها عبر الادارات المتعاقبة، والحقيقة أن الإساءة التي تترتب على هذا التقاعس الاميركي الموروث لا يؤذي منطقتنا فحسب، وانما يؤذي سمعة الادارة الاميركية ذاتها التي تطلق من شعارات الالتزام بالتسوية ما لا تملك امكانية تطبيقه. ويبقى حديث التسوية مجرد حديث (مناسباتي) يتردد في مناسبات عديدة دون أن يجد طريقه نحو التنفيذ.

لقد وجهت اسرائيل بالعدوان الاخير على غزة رسالة فجة إلى واشنطن نفسها، مفادها ان كل ما على الاميركيين القيام به هو إمدادها بوسائل الدمار، لتقوم هي منفردة ودون الإصغاء لأية نصيحة بتدمير الشعب الفلسطيني والقضاء على بناه التحتية وجعل قيام الدولة المستقلة المنشودة والمؤيدة من جانب الجميع امرا مستحيلا.وربما يتعين على إدارة اوباما أن تقرأ جيدا هذه الرسالة لتعلم مدى ما ينتظرها من إيذاء على ايدي قادة اسرائيل المختلفين على كل شيء ما عدا على إبادة الشعب الفلسطيني والبقاء على ارضه محتلين على مدى الزمن.

وحدها المقاومة هي التي تغير المعادلة في كل مرة وتقدم شكلا جديدا من اشكال الصمود يفرض على العالم أن يتحرك من جديد.

وعلى المجتمع الدولي أن ينصت مرة لصوت العقل ـ ومنه الإدارة الاميركية ذاتها ـ ويقتنع أن القضاء على الشعب الفلسطيني بالآلة العسكرية امر مستحيل، مهما تم تجويعه وحصاره وقصفه بشكل وحشي متواصل، ومن ثم فكثرة الحديث عن مليارات الدولارات تتأهب لتعيد الامل إلى شعب غزة لن يثنيهم كما لن يثني كافة الشعب الفلسطيني عن مواصلة التضحيات لحين بلوغ الهدف التي تحاول اسرائيل التمويه عليه عبر الاعتداءات المتتالية.

واذا كانت الدراسات الاخيرة تشير إلى خسارة بلغت 12 تريليون دولار خلال عقدين في المنطقة العربية بسبب الحروب وغياب السلام فإن ذلك سببه تعنت اسرائيل وتمنعها عن تطبيق قرارات الشرعية الدولية وعدم الاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

وليس السبب العرب الذين قدموا عدة مبادرات لم تقبلها اسرائيل دون أي تدخل فاعل من اي جهة لردعها ، وما كل المساعي الاخرى سوى محاولة لحفظ ماء وجه من يظنون انفسهم انهم وسطاء موضوعيون. لقد ضبط العالم كله اسرائيل اكثر من مرة بالجرم المشهود ونجت هي دون أي عقاب، فهل يحدث اوباما المعجزة ويلجم العدوان الاسرائيلي بشكل نهائي ويوقف الاستيطان ويفرض الشرعية على هذه الدولة المتمردة؟. سنبقى (محشورين) في مساحة ضيقة بين الأمل والرجاء، لحين رؤية الأفعال الداعمة للأقوال.