على الرغم من تعنت إسرائيل وترددها في اتخاذ أية خطوة يمكن لها أن تقود باتجاه السلام بل واستمرارها في سياستها العدوانية ضد الفلسطينيين وضد الدول المجاورة لها إلا أن إسرائيل نفسها لم تكن لتجرؤ على المجاهرة الواضحة برفض المبادرة العربية وظل حديثها عن المبادرة موضع اختلاف بين أحزابها وقياداتها بين مؤيد ومتحفظ وذلك يعود إلى أن هذه المبادرة التي تمثل التصور العربي الموحد من السلام في المنطقة والسبل التي يمكن لها أن تقود إليه تتسم بروح العقلانية والموضوعية.

وتتحرك في إطار وعي كامل بأن السياسة في جوهرها إنما هي التحرك في دائرة الممكن والقابل للتطبيق بعيدا عن المزايدات ورفع الشعارات والهتافات التي لا تستهدف غير دغدغة مشاعر الجماهير ولذلك حظيت المبادرة العربية بالتأييد العالمي والدعم الدولي واعتبرت أساسا قويا لأي مشروع يستهدف إرساء السلام في المنطقة ويجنب العالم أجمع ويلات ما يمكن أن يترتب على أي حرب شاملة يمكن أن تقود إليها سياسات إسرائيل المتعسفة أو مغامرات الذين يضيقون ذرعا بالممارسات الإسرائيلية المعتمدة على فرض الحصار وانتهاك الأراضي واغتيال الذين يناضلون لتحرير أرضهم.

وعلى الرغم من التمسك العربي بالمبادرة انطلاقا من أنهم شعوب محبة للسلام شرط أن يكون سلاما عادلا وشاملا إلا أن للصبر العربي حدوده، كذلك فالمبادرة العربية لا يمكن لها أن تبقى طويلا على الطاولة كما ألمح خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله في خطابه أمام القمة العربية التي عقدت في الكويت الأسبوع الماضي وكانت كلمته تلك رسالة واضحة تؤكد أن مبادرة السلام لا يمكن لها أن تحقق السلام من طرف واحد وأن على إسرائيل أن تتحرك نحو السلام قبل أن يتحرك العرب باتجاه خيارات أخرى من شأنها أن تحمل إسرائيل على التفكير كثيرا قبل معاودة سياستها التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني خاصة والدول العربية عامة.

كانت رسالة الملك عبد الله واضحة وقد أدركت إسرائيل مضمونها ولذلك جاءت ردة الفعل الإسرائيلية واضحة وسريعة في تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت على استعداده لقبول مبادرة السلام كإطار لمفاوضات يمكن لها أن تقود إلى التسوية على أساس قراري الأمم المتحدة 242 و338 .

وإذا كان إعلان أولمرت مهما فإن الأهم منه هو أن تترجم إسرائيل هذا القبول في خطط عملية ومفاوضات تحترم ما يمكن أن تسفر عنه من اتفاقيات ومعاهدات وبدون ذلك سوف تبقى موافقة إسرائيل على المبادرة مجرد مماطلة تهدف من ورائها إلى امتصاص الغضب العالمي عليها بعد جرائمها التي ارتكبتها في غزة.