تكشف لنا قمة الكويت ـ ضمن ما تكشف عنه ـ معضلة أساسية تواجه النظام العربي. فنحن نشكو منذ عقود من عدم فعالية العمل العربي المشترك بسبب الخلافات السياسية من جانب، وبسبب تغليب المصالح القطرية من جانب آخر، وبسبب غياب الأساس الاقتصادي المطلوب ليكون ركيزة لهذا العمل وفشل كل محاولات التكامل الاقتصادي السابقة.

ثم.. لما فتح الله علينا، وبدأنا في التفكير السليم لمعالجة هذه الأوضاع في ضوء أزمة الغذاء العالمي التي أوضحت اعتماد العالم العربي على استيراد غذائه من الخارج، وفي ضوء الأزمة المالية العالمية التي خسر فيها العرب 2500 مليار دولار كانت كافية لسد الفجوة الغذائية ومعالجة أوضاع الفقر والبطالة..

ولما أدركنا أن ما نملكه من إمكانيات بشرية ومادية يكفي لإحداث التنمية المطلوبة من خلال تكامل عربي يتم بخطوات صغيرة ومدروسة، وتقرر بناء على ذلك عقد القمة الاقتصادية الأولى في الكويت، وبينما كانت الآمال كبيرة في أن تتحقق النقلة المطلوبة في العمل العربي المشترك من المدخل الاقتصادي بعيداً عن الخلافات السياسية، بل ليكون هذا المدخل الاقتصادي طريقاً لتحقيق التقارب على المستوي السياسي بعد ذلك.. إذا بأحداث غزة تنفجر في وجوه الجميع وتطغى على القمة، وما كان يمكن إلا أن يحدث ذلك بعد المذبحة النازية التي تعرض لها شعبنا المجاهد في فلسطين على يد القوات الإسرائيلية.

هكذا أبت الأحداث إلا أن تضعنا أمام معضلة أساسية كتب علينا أن نواجهها منذ أن قام الكيان الصهيوني على الأرض العربية المغتصبة قبل ستين عاما، وأبت إسرائيل إلا أن تذكرنا بان واحداً من أهم أسباب زرعها في المنطقة هو أن تسد الطريق الذي يمكن أن يبدأ من قمة الكويت بهدف بناء القوة العربية. والقصة قديمة، والرؤية الإسرائيلية لهذا «الخطر» العربي خط أساسي يحكم كل السياسات الإسرائيلية تجاه العرب.

ولعلنا نذكر هنا كيف استقبل بن جوريون في بداية الخمسينات ما نقله إليه سياسي بريطاني من تأكيدات بأن ثورة 23 يوليو لا تعتزم شن حرب وشيكه على إسرائيل كما كانت تروج آلة الدعاية الإسرائيلية، وأنها تريد ـ وفقاً لتأكيدات عبد الناصر نفسه ـ أن تركز على القضايا الداخلية بهدف إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية.. يومها استمع بن جوريون للسياسي البريطاني باهتمام ثم رد بهدوء: هذا أسوأ خبر سمعته في حياتي !!

ثم كان القرار بشن الغارات الإسرائيلية على حدود مصر وارتكاب المذابح ضد أهل سيناء وغزة. ليكون السؤال الذي يطرح نفسه على مصر هو: هل نبني المدارس والمصانع لتدمرها قنابل إسرائيل. أم أن علينا أن نبني ونمتلك القوة لنحمي ما نبنيه ضد العدوان ؟.. ولم يكن هناك مفر من الخيار الثاني، وبكل ما يعنيه من أعباء.

وعلى مدى نصف قرن واجه العرب العديد من التحديات، ولكن الأساس كان هو منعهم من بنا ء القوة الذاتية وامتلاك العلم والمعرفة والتقدم الاقتصادي وقوة الردع العسكري. وهاهم بعد نصف قرن يدركون أنهم في حاجة لبداية جديدة يواجهون بها واقعاً بائساً.. الأمن فيه مكشوف ، والإمكانيات يتم هدرها، والمشروع القطري لم ينجح، والتهديدات الداخلية والخارجية خطيرة، ومستقبلهم يتم تقريره بدون مشاركتهم.

ورغم أي سلبيات تحملها الجانب الاقتصادي من قمة الكويت، إلا أن المشهد كان مكتملاً، حضر العرب بطموحاتهم وأيضاً بخلافاتهم. وحضرت برامج التنمية مع برامج مواجهة العدو الإسرائيلي. وحضرت أزمة النظام العربي مع فشل المشروع القطري. وحضرت مشاكل الداخل العربي مع التحديات الإقليمية والظروف الدولية.. ومن لهيب النيران وقنابل الدمار في غزة، ومع الآفاق التي يفتحها حديث الاقتصاد والتنمية، كان المشهد يقول :

ـإنه لا مفر من تنمية حقيقية تعدنا لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل. وأن معاركنا الأساسية ( بما فيها المعركة ضد العدو الإسرائيلي ) لن نحسمها إلا بالعلم والتعليم والتنمية الحقيقية والديمقراطية الراسخة.

ـأن هذه التنمية لا يمكن أن تتم إلا في إطار عربي بعد فشل المشروعات القطرية في تحقيق الأمن والنهوض لأي قطر عربي بمفرده. وبعد أن أدرك الجميع بعد أزمة الغذاء والأزمة المالية، أن توطين الاستثمار العربي ضرورة، وأن التكامل في المشروعات الزراعية والصناعية هو الحل الأمثل.

ـأن مواجهة العدو الإسرائيلي ليست قضية تضامن مع أشقائنا في فلسطين، بل هي قضية أمن وطني وقومي إزاء كيان أصبح واضحاً انه مستمر للأبد في أداء دوره في استنزاف الطاقات العربية وضرب أي قدرة على بناء القوة الذاتية العربية.

ـأننا أمام مشروعين للمستقبل.. مشروع للشرق الأوسط تكون فيه إسرائيل هي المركز، وتكون الهيمنة للولايات المتحدة الأميركية، ويكون العرب فيه مجرد توابع يوفرون البترول والأسواق والأيدي العاملة الرخيصة ويتركون القرار لغيرهم. ومشروع للتقدم العربي يقوم على التكامل والترابط بين الأقطار العربية لبناء قوتها الذاتية وحمايتها من العدوان، وهذا هو الخيار الذي كان مطروحاً على قمة الكويت، والذي سيظل مطروحاً على العرب رغم كل التحديات.

كاتب صحفي مصري

elsadattt@hotmail.com