بدأت السيدة هيلاري كلينتون أمس مهام عملها كوزيرة للخارجية الأميركية، وبادرت بالاتصال بالسيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية في رام الله في خطوة أظهرت اهتمامها بقضية الصراع العربي الاسرائيلي، وباعطائها مكانة بارزة على رأس جدول اهتماماتها.

السيدة هيلاري تختلف عن نظيرتها السابقة كوندوليزا رايس من حيث معرفتها العميقة بهذه القضية، واطلاعها المباشر على الأوضاع في المنطقة من خلال زيارتها لها، وقربها من الرئيس السابق بيل كلينتون الذي بذل جهودا كبيرة في العام الأخير من فترة حكمه الثانية، من أجل ايجاد تسوية سلمية مقبولة، ولكنه لم يوفق في مسعاه بسبب التعنت الاسرائيلي، واصرار ايهود باراك رئيس الوزراء في حينه على سيادة اسرائيلية كاملة على الأرض المحيطة بالمسجد الأقصى.

ومن المؤكد ان الرئيس الأميركي السابق سيضع كل خبراته تحت تصرف زوجته وزيرة الخارجية الجديدة، إذا ما أرادت المضي قدماً في العملية السلمية والانطلاق من النقطة التي توقف عندها أثناء رئاسته، وهي مفاوضات طابا وما تحقق خلالها من تقدم كبير.

السيدة هيلاري تغيرت كثيراً بحكم حاجتها إلى أصوات اليهود للحفاظ على مقعدها في مجلس الشيوخ ممثلة لولاية نيويورك، وأصبحت أكثر حرصاً على تأييد السياسات الاسرائيلية، واتضح ذلك في خطابها الذي ألقته امام المؤتمر السنوي

لمنظمة 'ايباك' اليهودية، حيث تعهدت بمسح ايران من الخريطة، اذا ما تجرأت على مهاجمة اسرائيل، ووصفت حركة 'حماس' بـ'الارهابية'، واكدت على تمسكها المطلق بأمن الدولة العبرية ونقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة.

وعندما نقول تغيرت، فإننا نقصد بذلك مواقفها القوية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتعاطفها مع اللاجئين الفلسطينيين الذين زارتهم في قطاع غزة بصحبة السيدة سهى عرفات، ومطالبتها بدولة فلسطينية مستقلة.

لا نريد اطلاق احكام مسبقة على السيدة كلينتون ومواقفها وسياساتها المنتظرة قبل ان تستقر في مركزها الجديد، ولكن ما يمكن قوله انها ستواجه فشلا كبيرا اذا ما تبنت نهج الادارة السابقة، وايدت السياسات الاسرائيلية بشكل اعمى. وهي السياسات التي أدت الى تدمير ثقافة الاعتدال وخدمة ثقافة التطرف في المجتمع الفلسطيني.

فاذا كانت السيدة هيلاري كلينتون تريد النجاح في مهمتها الشرق اوسطية، فإن اول خطوة يجب ان تقدم عليها هي ايقاف كل اعمال الاستيطان، وازالة الحواجز الامنية المهينة في الضفة الغربية، ورفع الحصار غير الانساني الذي حول قطاع غزة الى معسكر اعتقال لمليون ونصف المليون مسلم.

كنا نتمنى لو انها ورئيسها باراك اوباما قد ادانا بشكل حازم المجازر الاسرائيلية الاخيرة في قطاع غزة لاظهار مدى جديتهما في اعطاء بعد اخلاقي لسياسة ادارتهما الخارجية، ولكنهما لم يفعلا للأسف الشديد، وتجنبا التلفظ باي كلمة يمكن ان تزعج الجلاد الاسرائيلي، وهو موقف مؤسف يجعلنا نتحفظ على ابداء اي تفاؤل بشأن سياسة الادارة الامريكية الجديدة تجاه المنطقة وقضاياها.

القضية الفلسطينية هي الوحيدة التي توحد العرب والمسلمين، ومظاهرات الاحتجاج الصاخبة التي سادت جميع العواصم العربية والاسلامية، بل والعالمية ادانة للمجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وتعاطفا مع ضحاياها من الاطفال هي المثال الحي على ذلك. وما لم تدرك السيد كلينتون ورئيسها هذه الحقيقة فإن الفشل سيكون عنوان فترتهما الاولى في الحكم، وقد تكون الاخيرة.