«العرب قريبون من أوروبا أمّا الإسرائيليون فهم أوروبيون»، هذا ما قاله بالحرف أحد رجال السياسة الفرنسيين ـ اليمينيين ـ مؤخرا. ولم يجد أحد نوّاب باريس عن الحزب الاشتراكي ما يختصر به الحرب على غزّة سوى أنها كانت نتيجة لوضع إسرائيل أمام خيار «الرحيل أو النعش».
ليس المقصود هنا تقديم براهين إضافية على أن أوروبا متحيّزة لإسرائيل؛ فأوروبا هي متحيّزة لإسرائيل اليوم والبارحة ومنذ عام 1948 وعبر وعد بلفور أثناء الحرب العالمية الأولى وقبله مع انعقاد مؤتمر بال عام 1896 الذي اعتبره هيرتزل بمثابة الخطوة الأولى نحو قيام إسرائيل. ولا شك أنه يمكن كتابة مئات الصفحات في أصول وفصول التحيّز الأوروبي لإسرائيل.
وكي تكون الأمور واضحة، علينا أن نفهم أن مثل هذه الأصوات الداعمة لإسرائيل ليست نشازاً في الشارع الأوروبي، بل إنها تعبر عن النغمة الغالبة. هكذا شاء التكدّس التاريخي، وهذا ما أصبح خطا رسميا غدت كل السبل متاحة ومطلوبة من أجل تعبئة الرأي العام على أساسه. وعلى خلفية المحرقة التي تعرّض لها اليهود على يد هتلر أثناء الحرب العالمية الثانية تشكّلت عقدة اليهودي «المضطّهَد» لدى الأوروبيين الذين يبحثون بشتى السبل عن «التكفير عمّا اقترفوه» بحق اليهود. ثم ساهمت وسائل الإعلام المتحيّزة في تغذية هذه العقدة بشكل مدروس وممنهَج.
لقد استقرّ في وعي الأوروبيين، ولا وعيهم، أن إسرائيل هي «راية الديمقراطية» في هذا الشرق العربي «المستبد» ،هذا ما نقرأه ونسمعه كل يوم وبأشكال مختلفة ودرجات مختلفة على لسان رجال السياسة والمحللين والناس العاديين كل يوم . الرئيس الفرنسي ساركوزي كان «بليغا» في التعبير عن ذلك أثناء وجبة الغداء التي جمعته بصحبة عدد من كبار قادة أوروبا الآخرين مع الإسرائيلي أولمرت وأركان حكومته بعد قمة شرم الشيخ الأخيرة عندما خاطب الإسرائيليين قائلاً: «أنتم أمة ديمقراطية عريقة».
علينا أن نفهم، نحن العرب، أن مثل هذه الصورة لن تتغيّر بسرعة، ولن تتغيّر بسهولة، لدى الأوروبيين والغرب عامة. فليس من الأمور اليسيرة التخلّي عن قناعات تشكّلت وترسّخت على المدى الطويل ولو تبيّن لأصحابها أنّها خاطئة. المنطق والمحاكمة العقلية يتوقفان لدى أغلبية الأوروبيين عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل . فرؤية جندي إسرائيلي يضع القلنسوة اليهودية على رأسه ويردد مترنحا تراتيل توراتية على ظهر دبابة وبندقيته الحربية على كتفه وهو في طريقه لقصف أطفال غزّة لا تثير أية تساؤلات لدى الأوروبيين عامة؛ هذا إذا لم يروا فيه مدافعا عن قيم الديمقراطية في مواجهة «الإرهابيين» .
ولعلّه من المفيد، بناءً على ما تقّدم، محاولة فهم المواقف السياسية التي اتخذتها أوروبا قبل العدوان على غزّة وإثناءه وبعد وقف إطلاق النار. قبل العدوان وأثناء الأشهر، إن لم تكن السنوات، الأخيرة كانت أوروبا شبه غائبة تماما عن ساحة الفعل السياسي في الشرق الأوسط حيث جمعت الولايات المتحدة الأميركية كل الأوراق بيدها؛ وحتى فرنسا التي كانت قد قادت، إلى جانب ألمانيا وبلجيكا خاصة، جبهة معارضة للحرب الأميركية ضد العراق في ربيع عام 2003 عادت وعدّلت من مواقفها اقترابا من النهج الأميركي. واقتربت منه أكثر بعد فوز نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2007.
بالتوازي مع ذلك عرفت أوروبا، ممثلة بالاتحاد الأوروبي، منذ أواسط تلك السنة محادثات سرّية مع إسرائيل توّجت في الوثيقة الخاصة بـ «تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي الثنائية مع شركائه المتوسطيين، وخاصة إسرائيل» والتي جرى تبنّيها يومي 8 و9 ديسمبر الماضي. وكانت تلك المحادثات قد تكثّفت وتسارعت في ظل الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من عام 2008.
وتمّ أثناءها القبول بمبدأ تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل. وكانت باريس قد حاولت الإعلان عن تبنّي الوثيقة المذكورة قبل انعقاد القمة المتوسطية في شهر يوليو الماضي، لكنها تراجعت أمام الغضب الذي أعلنته عدّة دول عربية في مقدّمتها مصر، كما جاء في مقال نشرته شهرية «لوموند ديبلوماتيك» تحت عنوان «تحقيق حول انعطاف الدبلوماسية الفرنسية» في عددها لشهر يونيو الماضي.
النائب في البرلمان الأوروبي «فرنسيس ويرتز» وجّه من بروكسل بتاريخ 11 يونيو من عام 2008 رسالة إلى الرئيس ساركوزي وللمفوّض الأوروبي باريزو ولممثل الدبلوماسية الأوروبية سولانا حول المحادثات السريّة الجارية آنذاك مع إسرائيل دون علم البرلمان الأوروبي جاء فيها ما مفاده حرفيا: «يبدو أن محادثات سرّية تجري منذ عام بين الاتحاد الأوروبي وقادة إسرائيل. لكن للأسف ليس من أجل محاولة استئناف مسيرة السلام مع الفلسطينيين ولكن من أجل تفحّص طلب يفوق أي تصوّر من قبل تل أبيب ولا يرمي إلى أقل من امتلاك حقوق دولة شبه ـ عضو في الاتحاد الأوروبي». الذهاب بعيدا في التعرّف على ما عرفته تلك المفاوضات يوضّح بجلاء الأسباب التي جعلت الاتحاد الأوروبي يضع نفسه خارج إمكانية الفعل في دفع مسيرة السلام إلى الأمام.
ومع بداية العدوان الإسرائيلي على غزّة كان أول موقف أوروبي صدر«على الحامي» عن رئاسة الاتحاد الأوروبي «التشيكية» هو اعتبار أن ما قامت به إسرائيل في غزة ابتداء من 27 الشهر الماضي هو «عمل دفاعي مشروع عن النفس». ثم جرى التراجع سريعا عمّا بدا تحيّزا «فاضحا» لإسرائيل. وتحرّك في ذلك السياق الرئيس الفرنسي ساركوزي وقام ممثلا للاتحاد الأوروبي «من غير تفويض» بالجولة المعروفة التي شملت عدّة بلدان في المنطقة.
لقد حرّك الأمور وصاغ بعض الأفكار التي واجهت في واقع الأمر رفض الإسرائيليين الذين لم يكونوا يريدون الاستماع سوى لغرائزهم الدفينة، وبالتالي لم تذهب تلك الأفكار بعيدا. صحيح ان قادة البلدان الأوروبية قد أطلقوا نداءات لوقف إطلاق النار ولكن دون الذهاب إلى ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل. وصحيح أن الأوروبيين قد اقترعوا لصالح قرار مجلس الأمن 1860، لكنهم لم يتابعوا تنفيذه وبقي حبرا على ورق.
ثمّ كانت المفاجأة عندما «طارت» وزيرة خارجية إسرائيل فوق القارة الأوروبية لتوقع مع مثيلتها الأميركية وثيقة التفاهم الإسرائيلية ـ الأميركية «الغريبة والمريبة» حول «منع تهريب الأسلحة إلى غزّة». وجدت أوروبا نفسها «على التوش» فالحليف الأميركي قد تجاهلها تماما، وكذلك فعل «الصديق» الإسرائيلي .
في مثل ذلك السياق كان الوجود الأوروبي العالي المستوى والكبير في قمّة شرم الشيخ نوعا من البحث عن «إثبات الوجود» في مواجهة التهميش الأميركي لهم. الملفت للانتباه أن هذا الموقف الأوروبي الموحّد لم يتم الوصول إليه في مواجهة الأزمة المالية العالمية ولا حتى أثناء النزاع الروسي ـ الجيورجي في الصيف الماضي . .
كاتب سوري ـ باريس