قابلته في أحد مقاهي دبي الكثيرة فتجاذبت معه أطراف الحديث، فهو شاب في العقد الثالث من عمره، سألته من أي أقطار الأرض هو وكنت أظنه إنجليزياً للكنته، فأجاب أنه من جنوب أفريقيا!! ثم أضاف: أنا أسكن دبي الآن منذ عدة أسابيع. لم يخطر على بالي أن أسأله عن السبب في ذلك، ربما لأن الآلوف المؤلفة من الأجانب من جميع أقطار هذه المعمورة يسكنون بها مزاولين أعمالاً شتى. ثم تطرق حديثنا إلى جمهورية جنوب أفريقيا وأوضاعها المختلفة سواء الاجتماعية أو الاقتصادية، وبالطبع السياسية أيضاً.

فبدت أمارات الأسى على محدثي، وقال إن الأوضاع سيئة وخاصة الأمنية منها، فالجرائم كثيرة لدرجة أن المرء لا يأمن على نفسه أو على أسرته! ثم أسرّ لي لماذا قرر أن يتخذ دبي مسكناً. قال: إن زوجتي تتسوق بحرية الآن، وتخرج متى شاءت دون أن يعترضها أحد ودون أن تخشى على نفسها وعلى من معها. وأطفالي باتوا يلعبون بحرية في الحي الذي أسكن فيه، دون أن يثير ذلك قلقي.

إنني مرتاح أشد الراحة في هذه المدينة التي أجد فيها كل ما أبتغي في ظل شعور بالأمن والأمان افتقدته في مسقط رأسي. قررت -والكلام لمحدثي- أن أنقل نهائياً نشاطي في مجال العقارات إلى هذه المدينة، والفرص الاستثمارية كثيرة حالياً لمن يمتلك السيولة، وسأجرب حظي!

هذه هي حال دبي، إنها تجربة فريدة في استقطاب المستثمرين من أركان الدنيا الأربعة بما تمنحهم من بيئة للاستفادة من أموالهم في مشاريع متنوعة يعجز أن يصفها المرء لكثرتها وتباينها. وكلام محدثي من جنوب أفريقيا يستطيع أن يتلمسه أي زائر لها، كما صاحب هذه المقالة التي كان في سياحة قصيرة لها الأسبوع الماضي. فقلما تجد في مدينة عربية أو ربما في معظم مدن العالم التي زرتها أن تخرج النساء بحرية وأن يقفن على محطة الحافلات مثلاً من غير أن يكدر صفو انتظارهن أحد!! ولو تخيلنا هذا المنظر في أي مدينة عربية لألفينا من التحرشات ما يعجز القلم عن وصفه أو ربما لا يليق بنشرها احتراماً للذوق العام!!

ليس الأمن والأمان هما ما يجده المرء في دبي فحسب، بل وأمور أخرى متعلقة بالجوانب «الحضارية» لما يجب أن تنعم به أي مدينة توضع تحت خانة «العصرية»، - والتي تفتقدها للأسف الكثير من مدننا رغم ثراء حالها نظافة شوارعها وأشجار الزينة المزروعة على أطرافها، وهذه لم تترك لتنمو سبهللا (أو في اللغة العربية الحديثة دون انتظام)، بل قلمت وشذبت مع المساحات التي تكتسي بالأزهار الجميلة.

ومن علامات تحضرها (التي قد لا تسترعي انتباه الكثيرين) وجود حاويات للزبالة على النظام الحديث الصديق للبيئة، حيث تتكون من ثلاثة صناديق أحدها للمواد العضوية والآخر للمعدنية والثالث للبلاستيكية. ثم لنتأمل مواقف الحافلات (الكبائن) المبنية بطريقة جميلة من الألمنيوم مع أبواب من زجاج ومكيفة، ترى، أليست هذه حلماً بعيد المنال لملايين العرب من قاطني مدنها الكبيرة!!

وقد يكون روح التآلف والتسامح الديني والعرقي والقومي الذي يلف دبي هي إحدى علاماتها الأخرى، فهي تضم كل الجنسيات، وربما كل الأديان، دون أن يثير ذلك أي إشكالات بينها، فدبي بعيدة عن التعصب، وهي البلية التي تعصف بكثير من المجتمعات شرقاً وغرباً!! لقد غدت دبي بهذه التركيبة مدينة «كوزموبوليتانية» بارزة في خريطة العالم.

والحق أن الزائر لدبي هذه الأيام سيلحظ تأثير الأزمة المالية العالمية عليها، وهذه الأزمة وإن كانت عامة ولم تسلم منها أي دولة أو منطقة، إلا إن عنف تأثيرها لا شك يتباين من دولة إلى أخرى. ولعلها أوضح ما تكون في دبي لمن خبر وعرف مستوى الحركة والنشاط في هذه المدينة، فبنية دبي التحتية وخدماتها الفندقية ومقاهيها ومطاعمها وأماكن التسلية والتسوق فيها شيدت في السنوات الأخيرة لتستقطب ملايين السائحين الذين عادة ما تكتظ بهم فنادقها. ومع قلة السائحين هذه السنة، فإن التأثير قد بان واتضح.

لكن من المؤكد أن «ديناميكية» دبي وحيويتها ورؤية أصحاب القرار فيها ستجعلها قادرة على تخطي هذه الأزمة التي تضرب الجميع حالياً دون استثناء، فهي مستمرة في إنجاز المشاريع الحيوية، وعلى رأسها «مترو دبي وتوسعة المطار والبرج» وربما غيرها مما لم ألحظه. كما إن هذه الأزمة قد فتحت باب الفرص الكثيرة في هذه المدينة واسعاً ليقتنصها من لديهم السيولة. فبيئة دبي الجاذبة للاستثمار تجعلها قبلة لأولئك الذين يمتلكون الإمكانيات في هذه الظروف العصيبة لتكون لهم فرصاً تاريخية. ولعل هذه الأزمة، فوق هذا وذاك قد نبهت أصحاب القرار إلى أهمية إدخال بعض الضوابط الضرورية على عملية التنمية مستفيدين من تراكم الخبرة لديهم في السنوات الماضية.

مازالت دبي تتمتع بتألقها وتفردها رغم الأزمة التي تعصف بالجميع!!

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com