كما قلنا سابقا فإن كل حرب إقليمية يكون العرب طرفا فيها في المنطقة العربية، تتغير تبعا لذلك خريطة التحالفات الإقليمية كما تتغير تبعا لذلك ثقل ما يسمى بالدول المحورية فيها. وهي حروب تخرج قوى من دائرة القرار أو تضعف تأثيرهم كما هي قد تقفز بقوى أخرى جديدة فاعلة في الداخل وعلى المستوى الإقليمي.
و أعتقد أن المنطقة العربية بعد هذه الحرب لن تكون كما كانت قبلها، وتغيرات قد تأتي على بعض من دولها ولو بعد حين. وإن بدت طبيعة الأمور في هذه المنطقة سرمدية مستعصية على التغيير أو ممانعة لها، ويبقى التغيير مع ذلك سنة من سنن الحياة التي لا تستطيع دولنا إلا أن تخضع لها، وإن استعصت عليها أو إعادة إنتاج منتوجها بالصور التي لا تجلب لها إلا القليل من التغيير والتعديل.
أولى ملامح التغيير هي استمرارية الخلاف العربي ؟ العربي، وإنما بخارطة جديدة ولربما بقوى أخرى جديدة، فهو من طبائع المنطقة التي لا يمكن لها أن تعيش بدونها. وما يسمى بإجماعهم إن هو إلا إجماعا شكليا يخفي مركزية الخلاف في علاقاتهم أكثر من الاختلاف.
ألم يختلف العرب من الدعوة المحمدية منذ أيامها الأولى كما اختلفوا بعدها في كل ما جاء إليهم أو خرج عن بعضهم. وتأخذ تحالفاتهم منحا عصبويا، فهم قد تحالفوا مع كل أعداء النبي محمد (صلعم) من اليهود والروم والفرس، إلا أنهم قد خضعوا له بتنامي قوة الإسلام على قوة القوى الأخرى.
كما أنهم بدوا بعيدين عما قد يسمى «بالعمل المشترك» فهي يافطة تحرق عند أي اختلاف وتقام عوضا منها منابر «القذف والشتم والتخوين»، وهي حالة لا بد أن نعد أنفسنا لها للسنين القادم تستهلك جزءا ليس يسيرا من جهدنا ومصادرنا وإمكانياتنا كأمة وكوطن وكأفراد.
ولن تردمها ابتسامات القادة عند اللقاء، فكل حروب المنطقة التي جاءت علينا منذ مطلع التسعينات حتى الآن قد جاءت على طاقاتها واستهلكت الكثير من إمكانياتها. فقد احتاجت حرب تحرير الكويت لقرابة عقدين من الزمان حتى تدمل بعضا من جراحها.
أما الأمر المحوري الآخر، فهو أن كل صراعات العرب البينية وفي صراعاتهم مع الدول الإقليمية أو القوى الدولية، تنعكس تلقائيا على أوضاعهم الداخلية وهم في ذلك قد نسجوا نوعين من التحالفات: تحالفات داخلية تأخذ امتداداتها الإقليمية وأخرى تأخذ بعدها الدولي من حيث علاقاتهم أو تحالفانهم بالقوى الدولية وتحديدا الغرب والولايات المتحدة الأميركية.
إن العرب سيبقون منقسمين فيما بينهم ليس لسبب غياب الدولة المحورية القائدة: فخلافاتهم قد كانت قبل ذلك في عهد محورية النظام المصري في عهد عبد الناصر، وهي قد استمرت بعد ذلك. وهي خلافات تأخذ محاور يزيد أو ينقص فيه من عدد الدول.
إن تحالفاتنا تبقى تحالفات الضعيف العاجز، وليس بتحالف القوي القادر على منع الضرر والتحيط منه. وقد اكتشفت إسرائيل أمرهم قبل الغرب وخبرهم في ذلك الفرس والأتراك. الذين بدوا في مواقفهم فيما يجري في غزة أكثر جرأة وحماسا من العرب وإن قلت الحيلة والمبادرة. فحتى تركيا الدولة الإسلامية التي كان لها سبق العلاقة والتحالف التاريخي مع إسرائيل، كانت في لغتها من إسرائيل هذه المرة أكثر قوة وخشونة.
بل وخرج شعبها بقوة واضحة دعما لغزة وشجبا للعدوان الإسرائيلي عليها. أما نحن فقد بقيت سمة العجز متمكنة منا، نعشق الوقوف في المناطق الرمادية تنقصنا القوة والحيلة.
أما الأمر الثالث والمهم، فأن هذه الحرب التي جاءت للقضاء، كما يقولون، على «إمارة غزة الإسلامية» قد تكون أنهكت حماس من حيث القدرة العسكرية وأضعفت بناءها التنظيمي، وأحدثت الحرب حجما واسعا من الدمار في الناس والعتاد، وهي إحدى العقائد العسكرية الإسرائيلية. إلا أن مصاحبات ذلك غير المنظورة على خريطة القوة في المجتمع الفلسطيني مهمة وكبيرة.
فهي حرب قد أضافت مزيدا من الضعف للسلطة الفلسطينية بل أنها ستدفع نحو مزيد من الهوة بين السلطة والمجتمع وتزيد من مواقع حماس والجماعات الإسلاموية فيها. فليس بالضرورة أن تستطيع الحرب تحقيق أهدافها المعلنة والمستترة، بل أنها قد تأتي بنقيضها، في مجتمعات تتسم فيها التربة بدرجة عالية من الحراك.
قد يكون أمر التضامن العربي مع غزة كبيرا وفي بعضه جياشا، إلا أن قيادة التظاهر والتعاطف كانت على الدوام تحت قيادة الجماعات الإسلاموية العربية. بل إن هذه الجماعات بدت أكثر عنفا في نقدها لما سمي «بالقيادات العربية المتراخية» وهو الأمر الذي سيقوي دون شك من حضور هذه الجماعات في المجتمعات العربية ويبرزها مرة أخرى كأحد أهم قوى الممانعة في المنطقة العربية.
لقد كشفت حرب غزة مرة أخرى محورية الدور الذي تلعبه القوى الإقليمية غير العربية في المنطقة العربية. فالمواقع التأثيرية التي احتلتها إيران في الشأن الداخلي العربي كما هو التنامي المرتقب للدور التركي فيها وإن كان مرحبا به لأسباب عصبوية لموازنة الدور الإيراني، إلا أنها في عمومها أدوار تكشف مرة أخرى عجز ما يسمى بالدول العربية المحورية عن لعب أدوارها التي تفرضها عليها مواقعها القيادية. فالعقلانية السياسية أمرا جميلا وممتعا إلا أنها تكون عادة خارجة عن التفكير في مشهد لا ترى فيه إلا القتل والدمار وبكاء الأطفال والنساء والشيوخ.
قد نرغب أو يرغب الآخرون أحيانا في خلط الأوراق والقضايا، إلا أن حرب غزة قد أعادت وبقوة محورية القضية الفلسطينية على محاور الصراع الأخرى المُختَرَعة، وتوارت لربما لبعض الوقت أطروحات أشعلتها الحالة العراقية وبعض الفضائيات العربية في المجتمع العربي وبروز إيران، بسبب الغياب العربي، كقوة مؤثرة فيه. كما أنها قد عقدت أو أضافت مزيدا من الحساسية لأي تقارب عربي ؟ إسرائيلي تأمل إسرائيل في تحقيقه في المستقبل المنظور.
كاتب بحريني