وصل الرئيس الأسود إلى البيت الأبيض، وتحقق الحلم الأميركي الذي ظل كامنا في نفوس ووجدان السود في الولايات المتحدة لعقود وربما لقرون طويلة، حلم بأن يكون لهم يوما ما شأن في هذه الدولة التي طالما تحملوا كافة صنوف التعذيب والعنصرية والاضطهاد و هم يحيون ويعملون فيها ويشاركون بتفان ووطنية في بناء مجدها، وها هم اليوم على رأسها يحكمونها و يوجهونها، وهي خطوة تاريخية كبيرة لا شك في ذلك، وتحسب أيضاً بكل المقاييس للديمقراطية «داخل» الولايات المتحدة الأميركية، ولكن الأمر لا يخلو من المرارة وخيبة الأمل إلى حد ما.

لقد حلم السود أن يحكموا أميركا القوية العملاقة التي تتمتع بأقوى اقتصاد في العالم وتهيمن على مجريات الأمور والسياسات على الساحة الدولية، لكنهم فوجئوا بأن حلمهم لم يتحقق في الوقت المناسب، فقد وصل الرئيس الأسود باراك أوباما وإدارته للبيت الأبيض ليجدوا هناك في انتظارهم أزمات وأعباء ومشاكل لم يسبق لرئيس أبيض أن وجدها هناك عند دخوله إليه، فأمامهم أزمة عالمية مازالت في بداياتها ويتفق الخبراء في كل أنحاء العالم على أنها أزمة خطيرة وكارثية وغير مسبوقة في تاريخ أميركا والعالم كله، وتبدو تصريحات الرئيس أوباما ونائبه جيمس بايدن غير متفائلة بالمرة في مواجهة هذه الأزمة.

بل إنهما اعترفا منذ أيام بأن الأزمة أكبر بكثير من كافة التوقعات وأن القادم منها أسوأ بكثير من الماضي، وعلى ما يبدو أن الجلوس لوضع خطط عملية وواقعية لمواجهة هذه الأزمة لن يكون أمرا سهلا ولا متاحا في الأيام الأولى للإدارة الجديدة، حيث أن الأمر يحتاج قبل كل شيء لحشد أكبر وأقدر الخبرات والطاقات العلمية والاقتصادية والمالية المؤهلة لبحث هذه الأزمة، وهو الأمر الذي لم يتم حتى الآن في الولايات المتحدة ولم تعره إدارة بوش الراحلة أي اهتمام.

من جانب آخر وعلى المستوى العالمي تأتي إدارة الرئيس أوباما لتواجه حصادا مريرا لسياسات إدارة الرئيس بوش السابقة على مدى ثمانية أعوام لم تشعر الولايات المتحدة في تاريخها بكراهية من شعوب العالم الأخرى مثلما شعرت فيهم، الأمر الذي نتج عنه تراجعا واضحا في هيبة ومكانة الولايات المتحدة على كافة المستويات، ووصل لدرجة إدارة حلفاء واشنطن السابقين ظهورهم لها.

وذلك منذ إطلاق حملتها على الإرهاب العالمي بعد أحداث سبتمبر عام 2001، هذه الحملة التي كشفت عن كم من الأكاذيب و الخدع والسياسات الملتوية والمصالح الخاصة التي أساءت لهيبة وسمعة الدولة العظمى، وجعلت حتى حلفاءها الأوروبيين ينفضون من حولها، بينما جيرانها الجنوبيون في أميركا اللاتينية يهاجمونها ويتوعدونها بالشر، و ها هي الديمقراطية المزعومة التي خدعوا شعبهم وشعوب العالم بأنهم ينشرونها في العالم يكون حصادها «حذاءين» في وجه رئيسهم.

أوباما القادم للمشاكل والأزمات لم يعد حلم السود وحدهم، بل لم يعد حلم أميركا وحدها، لقد أصبح بالفعل حلم العالم كله الذي باتت الأزمة المالية العالمية تهدده من كل جانب، وبات يترقب القاطرة الأميركية متى تدور محركاتها من جديد لتنتشل الاقتصاد العالمي من أزماته و تقوده لبر الأمان، العالم يترقب من إدارة أوباما سياسات جديدة أكثر إنسانية وتعاونا مع باقي شعوب العالم كله، بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن نظام هيمنة القطب الواحد بتوجهاته الخاصة لا تصلح لإدارة العالم.

السود في أميركا سعدوا كثيرا بفوز أوباما، لكنهم لديهم الشكوك في ظل الظروف التي تنتظره أن يكون تحقيق الحلم الأميركي على يديه، فقد حلموا طوال تاريخهم أن يتساووا مع البيض في الرفاهية والرخاء، ولم يحلموا أن يتساووا معهم في الفقر والبطالة والأزمات.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru