أصبحت للولايات المتحدة الأميركية مكانة من شأنها أن تجعل من الشأن الأميركي الداخلي شأنا عالميا يرتكز على مدى تأثير أميركا في الراهن السياسي والاقتصادي والأمني الذي تعيشه أكثر دول العالم إن لم تكن جميعها، ولذلك كله تابع العالم يوم أمس احتفالات تنصيب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، كما بدأ السياسيون والاقتصاديون والمراقبون يرصدون اليوم أولى قرارات الرئيس يستشفون من خلالها توجهات السياسة الأميركية في الفترة المقبلة ويتجاوزون ذلك إلى استكناه الخريطة العالمية في المستقبل القريب لإدراكهم أن السياسة الأميركية على مختلف الأصعدة هي العامل الأول في رسم هذه الخريطة.
وإذا كانت قد جرت العادة أن تحظى هذه المناسبة بالاهتمام العالمي فإنها في هذه المرة تحظى باهتمام أكبر، وذلك يعود لأمرين معا أولهما أن وصول أوباما إلى الرئاسة الأميركية يعد حدثا استثنائيا بسبب جذوره الإفريقية وهو الأمر الذي يجعل شعوب العالم الثالث تتطلع إلى أنه سوف يكون أكثر تفهما لأوضاع دول العالم الثالث ومعاناتها مع الفقر والمرض والتشرذم وما تتعرض له من انتهاك سيادتها على يد الدول القوية وأما الأمر الثاني فهو أن مرحلة أوباما تأتي تالية لحقبة الرئيس بوش وما شهدته تلك الحقبة من سيطرة اليمين المتشدد وما ارتكزت عليه سياسته من عدوانية لكثير من الشعوب وعلى رأسها الشعوب الإسلامية ومن هنا يجيء التطلع إلى فترة أوباما الرئاسية باعتبارها فترة تصحيح للسياسة الأميركية تتسم بالموضوعية والعدالة والبعد عن الانحياز.
ولكي لا يكون الرئيس الأميركي الجديد مخيبا لآمال كثير من الشعوب بل وللأميركيين الذين يتطلعون إلى إعادة تصحيح صورتهم أمام العالم وللتاريخ الأمريكي الذي شهد الكثير من المواقف النبيلة التي وقفتها أميركا إلى جانب الشعوب المستعمرة والمهددة بالحرب فإن على الرئيس الأميركي أن يضع على رأس أولوياته مراجعة الملفات التي تعطلت خلال الفترة الماضية أو شهدت انحرافا عن مقاصدها التي وضعت لها ومن أهمها ملف الشرق الأوسط في مجاليه العراقي والفلسطيني بحيث ينتهج سياسة تعيد للعراق استقلاله في الوقت الذي لا يشكل فيه هذا الاستقلال تهديدا لأمنه واستقراره ووحدته، كما يضمن للفلسطينيين إقامة دولتهم المتمتعة بأمنها واستقلالها بعيدا عن التهديد والحصار الإسرائيلي في الوقت الذي يعالج فيه ملف الاقتصاد الأمريكي بعد أن أصبحت فوضى الاقتصاد هناك مصدر تهديد لكثير من الشعوب بالفقر وكثير من الدول بالإفلاس.
