في وقت تتذاكى فيه إسرائيل وبعض حلفائها في كيفية الاستمرار بذبح الفلسطينيين في قطاع غزة، بدا المشهد العربي ملبدا بغيوم قاتمة متفاوتة الأبعاد، عكست بلا شك حالة التردي التي نعاني منها منذ البدايات الأولى لهذه الأزمة والتي يتم صبغها بين وقت وآخر بأطياف مختلفة من ألوان دماء الشعوب التي تعاني حتى اليوم من تبعاتها المختلفة.

اليوم هو وقت الدم الفلسطيني في غزة، الذي «يبشرنا» من خلال ما نراه من تقاعس وفشل عربي واضح، بأن الدور لاحقا سيكون حتما للدماء الزكية الأخرى، أي دماء الشعوب التي تعودت بأن تكون قربانا دائما لحالة التردي المذكورة، والتي لا تعرف كيف تحرر نفسها من دائرة «التضامن» العربي المريض.

استوقفتني في هذا المشهد المتخاذل سلسلة من الأمور التي شكّلت بطبيعة الحال وقود حركة الاندفاع الإسرائيلية الصارمة التي نشهدها يوما بعد يوم.

ففي كل مرة تضطر الأمة لمواجهة حالة مصيرية مثل تلك التي نشهدها في غزة، ينقسم المشهد السياسي الرسمي بشكله الكاريكاتوري المعهود ليعكس مجددا الحقائق الواضحة التي باتت جزءا من استراتيجية الصراع أو التسوية في الشرق الأوسط: طرف قوي وصلب متمثل بإسرائيل يعرف مسبقا ماذا يريد ويقوم بتنفيذ خططه ضمن سياق حركة متقنة الأداء إن كان على الصعيد الدبلوماسي أو الإعلامي، يقابله مشهد عربي مشتت التوجهات والأهداف الإستراتيجية، منقسم على نفسه بشكل خطير حول ماهية الصراع القائم وأولويات المواجهة، وربما في تحديد العناوين العريضة لطبيعة ما يجري لأن البعض بكل بساطة يرفضون حتى التعامل بمصطلح «المواجهة»، لاعتقادهم بأنهم بمنأى عن ذلك الأمر.

في خضم مشهد الدم القائم في غزة يختلف العرب حول العناوين التي ستشكّل جوهر لقاءاتهم الرسمية أو الجانبية، ويختلفون حول ضرورة عقد ما يسمى بالقمة العربية الطارئة، بل أن بعضهم يتجرأ بالتزام مبدأ الصمت وممارسة الدبلوماسية الهادئة، في وقت تصرخ فيه أصوات المنطق الفلسطيني لتذكّرهم بواجباتهم القومية التي تعهدوا ذات يوم أمام شعوبهم وضمائرهم للالتزام بها.

فهل نحن نعيش حاليا تفاصيل مرحلة جديدة عنوانها تغيير المفهوم الرسمي لتلك الواجبات، وهل أن بعض العرب قد قرر خوض ذلك التغيير أو بالأحرى فرضه انطلاقا من تفاصيل وتبعات معركة غزة ؟

في مكان آخر من هذا المشهد الدموي تستمر حالة الشلل الفلسطيني القائمة منذ فترة والتي اعتبرها شخصيا من أهم وقود الحركة الاندفاعية الإسرائيلية.

لقد ساهم هذا الانقسام في تعزيز وتقوية كافة تجليات مشروع القضاء على غزة بشكلها الحالي، وأستغرب حقيقة أن المسؤولين الفلسطينيين بشتى أطيافهم لم يتنبّهوا لهذا الواقع الصارخ بل أمعنوا في انقساماتهم وتفرعات خلافاتهم، بدلا من إيجاد اللغة المشتركة أو على الأقل الحد الأدنى من القواسم التي يمكن من خلالها تأمين قيادة سليمة ومشرّفة لهذا الشعب المعذّ منذ زمن بعيد.

ومن مفارقات الواقع المأساوي حتما أن تستمر هذه الخلافات برغم الدماء الغزيرة، وأن تنعكس أمامنا في وسائل الإعلام العالمية صورتين صارختين في المعاني والعبر: الأولى تجسد صورة المسؤولين الفلسطينيين وهم يمعنون في تباعدهم وتفرّقهم على وقع المجازر اليومية، والثانية صورة مسؤولي إسرائيل وهم يتسابقون أمام شاشات التلفزة ليعلنوا بكل صلافة أن عمليتهم العسكرية هي إنسانية وليست موجهة ضد شعب غزة «الرافض للواقع القائم فيها» حسب رأيهم.

لم يكن من الممكن أن تتجرأ إسرائيل على المضي قدما بهذا التحدي لولا المشهدان اللذان أبرزتهما، أي الانقسام والشلل الخطير على الساحة العربية الشاملة، لكن أيضا على الساحة الفلسطينية.

يضاف إلى ذلك حتما سلسلة من الأمور التكتيكية التي أحسنت الدولة العبرية باستغلالهما وهما الوقت الضائع القائم حاليا في واشنطن بانتظار عملية التسلم والتسليم، وحالة التناغم مع سياستها القائمة في الاتحاد الأوروبي، والتي تعززت بشكل بارز في ظل الرئاسة التشيكية لهذا الاتحاد.

قبل أيام قليلة رأينا مشهدا روتينيا لحالة الخلافات العربية المتمثلة في كيفية انعقاد القمة العربية الطارئة. وتكررت أمام أعيننا بشكل خطير وتيرة الانقسامات المرتبطة بالأولويات الإستراتيجية التي تتفاوت بشكل خطير بين بلد وآخر، وهو ما يدعو بكثير من المواطنين لاستغراب التمسك الذي يظهره البعض بالكيان الحالي للجامعة العربية، برغم الفشل الكبير الذي يرافق عملها.

لم يتجرأ أحد من المسؤولين الذين يدّعون دفاعهم المستميت عن «القضية العربية» لإظهار دعوة جدية لتحقيق هذه الغاية، بل أصروا على التمسك بالديباجة الكلامية التقليدية، وإن اتّسم بعضها بتلاوين جريئة كانت تهدف معظمها لتحقيق الدعاية التلميعية ليس إلا.

إذاً، ثمة فشل خطير في كيفية تحديد الأولويات وإبرازها، وكذلك في كيفية إيجاد لغة مشتركة تهدف بالدرجة الرئيسية لتحقيق طموحات الشعوب، ورفع الظلم عنها. ولن يكون باستطاعة هذه الأمة أن تنهض من كبوتها إذا لم يتفق قادتها في الحد الأدنى على الشعارات العامة التي يجب أن تحكم أداء المنظمة السياسية التي تجمعهم في بوتقة واحدة، لأنها ستبقى ، كما هي اليوم ، مجردة من أية منفعة حقيقية.

في خضم مشهد الدم القائم في غزة تصرخ في وجوهنا مفارقات كثيرة تعكس الواقع المزري والخطير الذي نعيشه اليوم. لم يعد هناك من وقت كافٍ للتفكير الكاريكاتوري الفارغ لأن رائحة الدماء الزكية في غزة قد غطت العالم بأكمله وباتت تتطلب حلولا واقعية وجدية. وشخصيا أعتقد بأن حالة التشاؤم ستبقى سائدة في ما يخص المشهد العربي الرديء، إلا إذا قدم لنا القادة أمثلة جديدة تساعد في إحلال التفاؤل المنشود .. أقلّها في ما يتعلق بإنهاء مأساة غزة في أقرب فرصة ممكنة

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz