في الحديث عن تداعيات الأزمة المالية العالمية على المشهد الاقتصادي في دبي، نحن أمام مجموعة من الحقائق المهمة تبرز على السطح تدريجياً ولا خيار سوى مواجهتها بصراحة وشفافية ووضوح.

نحن اليوم، في دبي وفي دول مجلس التعاون، جزء من الاقتصاد العالمي ومن غير المعقول أن يعيش العالم كله أزمة مالية ونحن نصر على أننا خارج منطقة الخطر!

الحقيقة المهمة، وهي عزاؤنا، أن الأزمة المالية الراهنة لم تكن من صنع أيدينا لكنها قدمت لنا تحديداً من الولايات المتحدة الأميركية. لكنها، في الوقت نفسه، كشفت لنا بعض السياسات المالية المحلية الخاطئة وعجلت بخطوات تصحيحية ضرورية خاصة في سوق العقار. الحقيقة الأخرى المهمة هي أن لكل مرحلة اقتصادية عندنا أو عند غيرنا رابحون وخاسرون. هكذا هي دورة الاقتصاد: خسارة وربح، طفرة ثم ركود وهكذا.

والحقيقة الأخرى، في سياق الحديث عن الأزمة المالية الراهنة، هي أن البيئة الاقتصادية الحية والمنفتحة على العالم والجريئة في استثماراتها ومشاريعها لابد أن تتأثر بما يتأثر به الاقتصاد العالمي من مد وجزر، أما الاقتصاديات الخاملة أو الحذرة أو تلك التي آثرت الحركة البطيئة فطبيعي جداً أن تكون تأثيرات الأزمة المالية عليها محدودة.

فلكل خطوة ثمنها. وما تحقق لدبي من بنية سياحية اقتصادية مبهرة وشهرة عالمية ونجاح مبهر، في قطاعات شتى، له ثمنه خاصة خلال الأزمات الاقتصادية العالمية. فحينما يمر الاقتصاد الروسي أو البريطاني بكساد، هل نستغرب أن يقل عدد السياح القادمين من روسيا وبريطانيا؟ ما نشهده من حالة الترقب الحالية لما سيحدث لدبي انعكاسا للأزمة المالية يأتي في سياق الأهمية الكبرى لمكانة دبي إقليمياً وعالمياً.

باختصار شديد: لابد من مواجهة حقيقية مع حقائق الأزمة الراهنة فدبي تأثرت وسوف تتأثر أكثر بالأزمة العالمية الراهنة. لكنني ممن يراهن على أن دبي ستكون في غضون وقت قصير من أكبر الرابحين في الأزمة الحالية،خاصة وأنها اليوم تمتلك واحدة من أهم البنى السياحية والاقتصادية على المستوى العالمي وبالتالي ستكون دبي، وقت انقشاع غيمة الكساد الاقتصادي العالمي الراهن، من أكثر عواصم الاقتصاد العالمي جاهزية للانطلاق من جديد. وأمام هذه الحقائق المهمة يأتي السؤال المهم جداً: كيف تتعامل دبي إعلامياً مع حقائق الأزمة المالية الراهنة؟

للحق، لم يواكب النمو المبهر الذي تحقق لدبي في قطاعات كثيرة صناعة إعلامية تنطلق على قاعدة «مهنية» صلبة وتفهم، بعمق، دور الإعلام وأهميته خاصة في أوقات الأزمات. دبي تفوقت في صناعة الإعلان والعلاقات العامة ونجحت في التسويق لصورة مبهرة جعلت القاصي والداني ينظر لدبي بإعجاب وانبهار.

لكن هذا كله ليس إعلاماً! كنا ومازلنا نأمل بحضور إعلامي مكثف لرموز المشهد الاقتصادي في الإمارات ودبي تحديداً من مدراء بنوك ورجال أعمال وقيادات في الدوائر الاقتصادية الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص.

وكنا وما زلنا نأمل في مواجهة إعلامية، صريحة ومباشرة، توضح، بصراحة، تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي وتجيب على الأسئلة المتزايدة حول أوضاع الاقتصاد الوطني وتدحض كثيراً من الشائعات التي تنتعش وقت الأزمات وتنتشر أكثر وقت الصمت الإعلامي المطبق أو في ظل لغة إعلامية تقليدية لا تتعامل بمباشرة ووضوح مع معطيات الأزمة وتبعاتها.

ومهما يكن الوضع الحقيقي للاقتصاد المحلي، في مأمن أم في خطر، قوي أو ضعيف، تظل الشفافية في التعاطي الإعلامي مع «الواقع» أسلم وآمن من التذاكي على الأوضاع أو تغييب بعض الحقائق في زمن تنتشر فيه أدوات جديدة لا هم لها سوى بث الإشاعات والتشكيك في الواقع والمستقبل.

إن التعاطي الإعلامي مع حقائق الاقتصاد على الأرض، مهما كانت، بلغة قوامها الصراحة وأسلوب يعطي فرصة لجميع الآراء الاقتصادية، يأتي في سياق التعامل الإيجابي والضروري مع الأزمة الراهنة وسيسهم، آجلاً أم عاجلاً، في الحد من آثار الأزمة الاقتصادية .

وبالتالي يتيح للمستثمر، المحلي وغيره، فرصة مهمة لإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد للمرحلة القادمة التي ستمنح فرصاً جديدة ومهمة للاستثمار في دورة اقتصادية جديدة ستجعل من دبي، على الأرجح، من أكبر روادها وأكثر الكاسبين فيها.

ولست بحاجة للتذكير بأن في دبي اليوم، من أهل دبي والمقيمين فيها، عقولاً اقتصادية تنافس على مستوى العالمية، تستطيع بجدارة أن تناقش أبعاد الأزمة المالية وتتعاطى مع تبعاتها بالتحليل الجيد لمساعدة الجميع في فهم أفضل لخيوط الأزمة ووقعها الآني والمستقبلي على الاقتصاد المحلي.

الأهم أن نتجاوز الحساسية تجاه الطرح الإعلامي الصريح والمباشر والهادف فكلما أسرعنا في التعاطي إعلامياً مع هذه الأزمة وتبعاتها كلما أسهمنا بتقليص آثارها السلبية وفهمنا كيف نتعلم من أخطاء الماضي وكيف نستثمر بعقلانية في الفرص القادمة وهي كثيرة وقريبة جداً!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu