وضع خادم الحرمين الشريفين في كلمته التي ألقاها بالأمس في قمة الكويت يده على جرح الأمة العربية، وفاجأ الجميع بخروجه عن نمط الكلمات التقليدية التي عهدها الشارع العربي التي تعتمد في مجملها على دغدغة المشاعر العربية قولا لا فعلا، وتكون بعيدة كل البعد عن واقع الأمة العربية الذي هو بأمس الحاجة لمن يضع يده على جرحه، ويشخص علته ويحد من نزفه، ولذا فقد أصابت كلمة خادم الحرمين الداء ووصفت له الدواء.

لم يضعف قوى الأمة العربية منذ الأزل ويفتح الباب أمام أعدائها للتكالب عليها إلا الخلافات السياسية التي كانت ومازالت سببا رئيسيا في تفككها وانشقاق كلمتها، ولذا أدرك الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن وحدة الأمة العربية واجتماع كلمتها لن يتحققا طالما استمرت هذه الخلافات، وبإنهائها يقفل الباب أمام من كان يستثمرها في تحقيق طموحاته، سواء كانت تلك الطموحات سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية.

ومن هنا فقد حرص ـ حفظه الله ـ على طي صفحة الخلافات بكافة أشكالها "بين الأشقاء العرب بدون استثناء"، مذكرا الأشقاء في فلسطين بشكل خاص "أن فرقتهم أخطر على قضيتهم من عدوان إسرائيل".

لقد كان ـ حفظه الله ـ يتحدث أمام القادة العرب بالأمس من مبدأ أن الأمة العربية يجب أن تكون كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولأنه ـ حفظه الله ـ هو وشعبه جزء من هذا الجسد فقد أعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، وهذا هو ديدن المملكة منذ عهد مؤسس هذه الدولة الملك عبدالعزيز رحمه الله، وانطلاقا من هذا المبدأ أعلن تبرع شعب المملكة بمليار دولار لإعادة إعمار غزة.

وكانت هذه الوقفة السعودية تجسيدا لخطابه التاريخي الذي ابتعد فيه عن المزايدات الكلامية التي لن يجني منها الشعب الفلسطيني شيئا، وسيكون لهذا الدعم السعودي السخي الذي يمثل نصف الدعم العربي المرتقب وقع حقيقي ملموس على الأشقاء في غزة الذين كانوا ضحايا المجازر الإسرائيلية الأخيرة.

مبادرة السلام مع إسرائيل كانت المفاجأة الأخرى التي تضمنتها كلمة خادم الحرمين الشريفين، فكما كان له دور رئيس في تلك المبادرة، فقد أكد ـ حفظه الله ـ أن هذه المبادرة "لن تبقى طويلا على الطاولة"، ووضع إسرائيل ـ التي تتحدث عن السلام وهي تمتطي مجنزراتها وطائراتها ـ أمام خيارين: "الحرب أو السلام"، وبهذا وضعها والعالم معها أمام مسؤولية منطقة بأسرها ومسؤولية أمن وسلام العالم بأكمله، وليس أمام الشعب الفلسطيني فقط، وسيكون على إسرائيل أن تسلك طريقا آخر غير طريق التسويف والمماطلة الذي اتضحت معالمه وبان خبثه في حربها الأخيرة ضد غزة.

إن قمة الكويت قمة اقتصادية لكن خادم الحرمين الشريفين بحنكته وصدق نواياه يدرك أن الاقتصاد مهما كانت أهميته لا يمكن أن يساوي الحياة للمواطن العربي والمسلم في كل مكان، ومن هنا ناشد ـ حفظه الله ـ قادة الأمة العربية "هزم ظنون أعدائهم" والوقوف "موقفا مشرفا يذكرهم به التاريخ".

حقا لقد كانت كلمة خادم الحرمين الشريفين استثناء غير معهود، فقد شخّصت داء الأمة العربية وتضمنت نوايا مخلصة وصادقة لمعالجة هذا الداء.