يمكن بسهولة قراءة بعض المفاجآت في قمة الكويت الاقتصادية، وتحديداً في جلستها الافتتاحية أمس، فاللهجة التصالحية كانت واضحة، كما كان واضحاً تلك الروح العروبية المتجذرة التي تطغى على كل سوء فهم مرحلي تمليه تفاعلات الأحداث التي تكون في أغلب الاحيان متعمدة من جانب أطراف غير عربية تجد في شق الصف العربي فرصة للفوز بمكتسبات سياسية او عسكرية انتقاصاً من الحقوق العربية الثابتة.

لقد اعتزم القادة العرب من خلال كلماتهم أمس أن يخرج عدوهم المشترك خالي الوفاض من حربه الغاشمة على غزة ومن كل حروبه المعلنة والمستترة ودون أن تتحقق أهدافه في شق الصف العربي أو النيل من مفهوم العمل العربي المشترك، ودون أن يقتل الروح العربية النزاعة دوماً للوحدة والتوحد.

هذا الإصرار على إفشال مخططات العدو ينزل برداً وسلاماً على الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، ويخفف من شحنة الغضب العارم الناتج عن العدوان الاسرائيلي على غزة والتي أريد لها أن تكون شحنة متفجرة في وجه الصمود العربي والفعل الوحدوي الذي يظل دوماً أمل العرب جميعاً.

فجزى الله الشدائد كل خير لأنها جمعت في قمة الكويت ما تشتت في محافل عديدة لم تخل من تآمر مقصود او غير مقصود على لحمة هذا الوطن العربي الكبير.

لقد مضى وقت غير قصير على أعمال وممارسات كانت توحي للانسان العربي بأن قياداته راحت بعيداً في مشاحناتها على حد تستحيل معه العودة إلى التصالح، لكن القمة التصالحية التي التأمت على هامش الكويت الاقتصادية أمس والتي ترأسها خادم الحرمين الشريفين للتوفيق بين القيادات العربية ونتائجها السريعة اثبتت أن كل اشكال الخلاف في الرأي ليست في الفضاء العربي سوى سحابات صيف سرعان ما تنقشع.

كما كانت كلمة العاهل السعودي في الجلسة الافتتاحية لقمة الكويت امس لافتة للنظر بما حملت من احتمالات تغير جذري في التعاطي مع القضية الفلسطينية بعد أن أوجعت الاسابيع الثلاثة من العدوان على غزة قلوب الحاكم والمحكوم في الوطن العربي بما حملت من تفاصيل ملؤها الاستخفاف بالدماء العربية وبالشرعية الدولية وبالطروحات السلمية التي لم تقبلها اسرائيل حتى اليوم ولم تكترث بأي نداء أو داع للسلام والتفاوض على أسس من العدالة والشرعية والقيم الانسانية.

وكلنا أمل أن تترجم كلمات ومصالحات الامس في الكويت الى واقع عروبي فاعل يؤكد ذاته كل يوم على مسرح القضية الفلسطينية كمؤشر حقيقي للتغيير نحو الأفضل في مسيرة العمل العربي المشترك الذي كان يزدهر ويتعزز إذا كانت الساحة الفلسطينية مسرحاً له.

والأمل موصول أيضا في أن نشهد توحداً فلسطينياً حول كلمة واحدة ونضال توافقي يلتئم حول حماية المصالح والاستحقاقات الفلسطينية وتجفيف دموع الثكالى والأيامى والأرامل واليتامى الذين خلفتهم الحروب المتوالية مع اسرائيل وآخرها الحرب الاجرامية على غزة بما حملت من بشاعة غذتها تصورات القتلة في اسرائيل أن العرب صاروا اشتاتاً يسهل الانقضاض عليهم، فجاءت قمة الكويت لتخلف ظنونهم وتخيب آمالهم وتفرض عليهم أن يعيدوا النظر قبل فوات الأوان في كل ما طرح عليهم من فرص سلام (لن تبقى على الطاولة) ولن تخضع بعد الآن لتسويفات اسرائيل وداعميها.