فاجأت القمة العربية في الكويت المراقبين والمتابعين ، بتحقيقها اختراقا غير مسبوق ، حينما دعا خادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي إلى تجاوز الخلافات بين الدول العربية ، مؤكدا (أن القمة نجحت في تجاوز مرحلة الخلافات بين العرب ، وفتحت باب الاخوة العربية ، والوحدة العربية لكل العرب دون استثناء ، او تحفظ ، وسنواجه المستقبل نابذين خلافاتنا صفا واحدا كالبنيان المرصوص).

لقد جاء هذا الانجاز غير المتوقع بعد أن سيطرت على القمة ، اجواء التشاؤم ، وهي تواجه خلافات حادة ، وصلت إلى حد الاتهام بين من يدعو إلى دفن مبادرة السلام العربية ، وبين من تمسك بها ، داعيا إلى تفعيلها اضافة إلى الظلال الحزينة للمأساة والكارثة الانسانية على أرض غزة ، التي بدأت ابعادها البشعة تتضح ، بعد انسحاب قوات الاحتلال الفاشية ، مخلفة اكثر من 7000 شهيد وجريح ، وتدمير العديد من المساجد ، والمدارس والمنازل ، والاسواق التجارية ومقرات الحكومة.. وغيرها وتحويل اجزاء من القطاع إلى مجرد اكوام من رماد وحطام ، مذكرة بجرائم النازية في الحرب الكونية.

إن العودة إلى التضامن ، وتوحيد الصف العربي ، اصبحت ضرورة قومية ووطنية ومسألة وجود لا تحتمل التأجيل ، في ظل اصرار عصابات الاحتلال الصهيونية على شن حرب ابادة ، وارتكاب مجازر حرب ضد الشعب الفلسطيني في غزة ، بعد حصار ظالم ، واغلاق للمعابر دام عدة شهور ، رافضة النداءات الدولية ، وضاربة عرض الحائط بالقانون الدولي ، وحقوق الانسان ، ومعاهدة جنيف الرابعة.

وفي صلب هذا الموضوع فلا بد من التأكيد ان استعراض مسيرة التسوية مع الكيان الصهيوني ، يؤكد انه استغلها لفرض الامر الواقع ، فارتفعت وتيرة الاستيطان ، والحواجز الثابتة والمتحركة ، والحفريات تحت المسجد الاقصى ، واقامة كنيس يهودي في ساحاته ، واطلاق رعاع المستوطنين ليعيثوا في فلسطين خرابا وتدميرا ، فيعتدوا على المزارعين ، ويحتلوا ويحرقوا بيوت المواطنين كما حدث في الخليل ، ما يؤكد أن هذه العصابات ليست معنية بالسلام ، ولا معنية باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وانما معنية فقط بتهويد الارض والقدس ، واقامة المشروع اليهودي.

لقد حذر الاردن وعلى لسان جلالة الملك من خطورة الانقسامات العربية والفلسطينية ودعا إلى العمل على جمع الصف العربي ، وانهاء مأساة الخلافات الفلسطينية ، وتوحيد الجبهة الداخلية للشعب الشقيق لمواجهة المشروع الصهيوني الاستئصالي.

إن الاردن وهو الوريث للثورة العربية الكبرى كان وما يزال مؤمنا بالاجماع العربي ، رافضا سياسة المحاور والاحلاف ، والخنادق المتقابلة ، بعد أن اورثت هذه السياسات الامة ، الفتن والتقاتل والاحتراب الداخلي ، فاوهنت جبهتها الداخلية ، واغرت الاعداء باستباحتها واحتلال ارضها ومقدساتها.

مجمل القول: إن العدوان الصهيوني الغاشم على اهلنا في غزة كان بمثابة ادانة لعجز النظام العربي الذي وجد نفسه عاجزا عن حماية الشعب الفلسطيني الشقيق من المذبحة الصهيونية ، ومن هنا كان لزاما على هذا النظام ان يخرج من حالة الاحتضار اذا اراد البقاء ، وهذا ما حققته القمة العربية ، ما اشاع اجواء من التفاؤل غير مسبوقة ، بأن الامة مقبلة على مرحلة جديدة ، تعيد لها الهيبة بعد أن ثبت أن لا مكان في هذا العالم الا للاقوياء.