تجادل الزعماء العرب ومثلهم المثقفون العرب إلى أن أصاب ذلك النقاش الشارع العربي بالعطب حول تلك الظاهرة الملتبسة في الحوار عن وجود قمتين في زمنين متقاربين، مما لم تسعف رجل الشارع ذاكرته ولا وعيه فهم كل ما يدور خلف الكواليس العربية وقممها، فما كان عليه إلا أن يقول ليس هذا بمستغرب فنحن في النهاية أحفاد ثقافة داحس والغبراء.

ما يدفعني للنقاش حول تلك المسألة حقيقة مهمة لماذا يزعق المثقفين بسرعة وهم يدركون ان الأيام القصيرة بين قمتين لن تحل مشكلة غزة ولن تنجز مشروعا تاريخيا لإيقاف الدم المراق في شوارع غزة.

كما إن تعريف وفهم القمتين المتباينتين على إنهما مسألة سلعة ودم واستعجال لإيقاف نزيف شعب يذبح فإن القراءة حتما ستكون مخطئة لكون المؤتمرات السياسية العربية لا تنجز خطوة عملية في كل قضايانا، غير أنها تحقق مهمات حيوية في خلق صناديق للدعم.

وهو ما يبدو أكثر مهما عندما تعلق البنادق وتغلق الخنادق ويتم التقاط ألأطباء أنفاسهم ساعات من الراحة، لكي يتمكنوا لمواصلة علاج الجرحى الذين خلفتهم حرب غزة المدمرة.

سؤال ينبع من أزمة قمة الدوحة الطارئة قبل وصولنا بأيام إلى قمة الكويت «الضرورية» لكونها ليست سياسية متعلقة بمسألة غزة وحدها وإنما بمشروع هام يهم مصير المنطقة اقتصاديا، والذي سيتواصل لسنوات بعد دخول العالم الأزمة المالية العالمية.

وبالطبع الأزمة العالمية لا تعني شيئا مهما للكثيرين، ولكن من يحسبون المكاييل وجرد الحسابات لميزانيات الدول وخططها وسياساتها، فإن غض الطرف عنها ليس إلا جهالة عاجلة وتطرف عميق لواقع المجتمعات والدول والحركات السياسية المغالية.

ترى هل سأل أحد فينا وهو يقارن بين القمتين في الدوحة والكويت أيهما ينبغي عقده وهل بالإمكان مزجهما وتداخلهما في أجندة واحدة أم لا وما الذي يضير ذلك إذا ما تم معالجة مصير غزة ضمن مؤتمر الكويت الذي تم التحضير له بهدوء ولمدة طويلة دون الحاجة للارتباك العاطفي والاستباق السياسي ؟ لماذا نقع في مفارقة أيهما أهم للإنسان يده اليمني أم رجله اليسرى ؟

ولكن يبدو أن الدول أحيانا تجرفها سياسات وعاطفة الشارع وتود كسب تلك العاطفة لكي تمسح من ذاكرة الشارع تهمة لصقت بالدوحة عن أنها سارعت بإقامة علاقات مع إسرائيل، لهذا وجدنا هذه الخطوة هي الأبرز في قرارات المؤتمر فلم تقل الدوحة أنها ألغت علاقاتها بإسرائيل وإنما قامت بتجميدها وهذا ما جعل الصحافيين في المؤتمر الصحافي يركزون على مفردة التجميد بسؤالهم رئيس الوزراء القطري، فلم يكن أكثر من دبلوماسي في الإجابة فأحالها حول الظروف التي ستحدد عودة تلك العلاقة.

بدت قمة الدوحة أكثر شحوبا واقل حضورا عربيا رسميا مما افقدها النصاب، فتحولت القمة العربية إلى قمة تشاورية حول غزة وأحالت التوصيات والقرارات إلى مؤتمر قمة الكويت، بعد أن قال وزراء خارجية مجلس التعاون كلمتهم قبل لقاء الدوحة حين قال سعود الفيصل وزير خارجية السعودية : «إن قمة الدوحة قد انهارت لانعدام التأييد لها من الدول العربية».

وبالفعل جاءت تلك المقولة صائبة فقد بدت النتائج شاحبة، فلم تأت بجديد يتعدى المبادرة المصرية ولا التوصيات والقرارات التي رفعها مجلس التعاون الخليجي لرؤساء قمة الكويت.

هل كانت قطر تحاول أن تقوم بحركة استباقية تكسب الشارع العربي وعاطفته، ليس زيادة الدعوات لحضور قمة عربية هو انجاز لملء الفراغ العربي في ظروف ليست مناسبة. من يناشدون الأمم المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي بمطالبهم، عليهم أن يجدوا أوراق الضغط الحقيقية على إسرائيل.

فكل ما فعلناه إننا كدنا أن نوسع الشرخ العربي، بل ونوسع الشرخ بين دول مجلس التعاون، بسبب تلك النزوات السياسية العاجلة والاستباقية وكأنها مهرجان ثقافي عربي تتنافس به الدول، وتناسينا إن المسألة السياسية المعقدة بموضوع غزة متداخلة فيها شروط كثيرة يفرضها الطرفيين المتنازعين والحلفاء الدوليين والإقليميين لكل طرف وليس إيران وحدها أو هذه القوى أو تلك.

والتي غامرت بحياة سكان غزة، واليوم ذهبت للمؤتمر كبديل عن السلطة لكي نؤكد إن الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني أثناء تدمير غزة لم يتعد أكثر من شعارات سياسية يسمعها العرب.

لا احد أيا كان مع حصار غزة واحتلالها والعدوان عليها.

ولا احد مع حصار المعابر وإنما العكس، ولكن كيف يتحقق ذلك هذا هو السؤال وهذا ما فعلته ليفني عندما ركضت مسرعة إلى واشنطن لكي توقع مذكرة تفاهم تضمن بموجبها حماية إسرائيل والدفاع عنها بعد رحيل بوش، مذكرة تحتفظ إسرائيل بموجبها الدفاع عن نفسها.

ما عجزت قمة الدوحة عن فعله بتسرعها للدعوة للمؤتمر، ستكون قمة الكويت قادرة على انجاز أهم جوانبه، وهو إنقاذ غزة من حالة التدمير الشامل الذي أصابها، بإعادة إعمار غزة.

ووضع أهم جوانب سياسية واقتصادية، يكون من ضمنها وقف إطلاق النار الدائم وضمانة الشعب الفلسطيني لإدارة شؤونه بنفسه ومحاكمة إسرائيل لكل تجاوزاتها للقانون الدولي ودفعها للتعويضات الكاملة لما تسببته من تدمير وتخريب وقتل وخسائر مادية وبشرية. وستترك قمة الكويت للشعب الفلسطيني وسلطته الشرعية ومنظماته المدنية والحقوقية إتمام مهماتها في ملاحقة مجرمي الحرب والإبادة.

إن من يخلطون الأوراق السياسية في كل القضايا (لا يمكنهم انجاز مشاريعهم العادلة بالشكل المطلوب) وسيجدون أنفسهم يعودون للمربع والدائرة نفسها) وكلما أوغلوا في المزايدة والتشدد (ادخلوا شعب غزة حالة التجويع والحصار والعنف والموت دون أن يستأذنوه في مصيره) ولكنهم كثيرا ما منحوا أنفسهم حق الكلام عنه كيفما يحلو لهم وبصوتٍ عالٍ.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com