في المستقبل سوف ننظر للوراء لندرك أن العدوان الإسرائيلي بالغ الوحشية على غزة كان حداً فاصلاً بين عهدين: عهد اللغة الغامضة وعهد اللغة الصريحة التي تسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة.
فور بداية القصف الإسرائيلي المبكر سارع المنافقون إلى ابتكار ما يمكن أن يبرر الاساءة إلى المقاومة وتحميلها المسؤولية عوضاً عن إدانة العدوان فقالوا تناغماً مع بوش وساركوزي وغوردون براون، بل ومع أولمرت وباراك وليفني ـ إن الحركة استفزت إسرائيل بإلغائها اتفاق التهدئة متجاهلين حكم الإعدام بالموت البطيء الذي أصدرته الدولة اليهودية على أهل غزة عن طريق فرض الحصار الكامل.
ابتدعوا هذا التبرير وقد راود أنفسهم شعور جنوني بالثقة بأن الهجوم الإسرائيلي الكاسح سوف يمحو حماس وأخواتها من على وجه البسيطة. ولكن أمد الهجوم اليومي على مدار الساعة أخذ يطول دون أن يحقق حتى الحد الأدنى من النتائج المرجوة. ومن ثم أخذ المنافقون يعرضون أنفسهم كمدافعين عن الشعب الفلسطيني.
الآن يزدحم الأفق العربي بمشاهد متعددة ومختلطة من اللغط الدبلوماسي: ضبط الحدود.. إرسال قوات دولية.. تدمير الانفاق.. مؤتمرات قمة واجتماعات وزارية.. فتح المعابر أو عدم فتحها.. إنسحاب إسرائيل أو إعادة احتلال الخ.
ومن المبكر أن نتنبأ بما قد يستقر عليه الأمر أخيراً من حيث مصير مسلسل الصراع العربي الإسرائيلي.
لكن مع المؤكد في كل الأحوال أنه مهما يكن من الأمر فان المناخ السياسي في العالم العربي لن يعود إلى ما كان عليه قبل حرب الفوسفور الإسرائيلية.
ليس من المنظور أن يحل في المنطقة انقلاب سياسي شامل وجذري.. وإنما سيرتسم خط فاصل بين دعاة المقاومة المسلحة الفلسطينية وأعدائها.. لن يتوقف أعداء المقاومة عن ممارسة نهجهم. ما يتوقع أن يحدث هو تبين الخط الأبيض من الخيط الأسود.
سيكون هناك فرز واضح بين صفين: الصف المناهض لإسرائيل والولايات المتحدة.. والصف الموالي لهما.