مع وقف إطلاق النار من الجانبين، في غزة، يدخل الوضع في طور جديد. الآن يحاول الغزاويون التقاط أنفاسهم. فالجرح عميق ومشهد الدمار مريع. ثلاثة أسابيع وآلة القتل والهدم للنازيين الجدد، تفتك بالقطاع وأهله؛ بكل ما عندها من قوة نارية طاحنة ومن مخزون عنصري حاقد.

وليمة دموية وجريمة ضدّ الإنسانية، ارتكبتها إسرائيل بأعصاب باردة وبكراهية دفينة. لكن بعد لملمة الجراح وبعد تثبيت وقف النار وتوابعه، من انسحاب وفك حصار وفتح معابر؛ لا بدّ وأن ينتقل الوضع إلى عملية مراجعة؛ لما سبق ورافق الجريمة الإسرائيلية. والأهم، أن يبنى على الشيء مقتضاه؛ لجهة ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، بعد هذه التجربة المؤلمة والمكلفة.

ما عاد من المجادل فيه، بأن الصهاينة خططوا لمجزرة غزة؛ منذ عدة أشهر. صحافتهم ومصادرهم، كشفت عن ذلك. كما لا شك بأنهم بنوا حساباتهم، آخذين في الاعتبار عاملين هامين: الانقسام الفلسطيني والخلافات العربية. الأول أعطى إسرائيل الفرصة للاستفراد. على أساسه جرى التمهيد وإعداد المسرح للجريمة، من خلال العزل وسياسة الاستفزاز والتعجيز.

ومع أن كل المؤشرات كانت، في حينه، تدل على أن الأوضاع سائرة باتجاه المواجهة، خاصة مع قرب نهاية فترة التهدئة؛ إلا أن التحوّط لذلك بقي غائباً عن المواقف والحسابات. كل محاولات عقد طاولة الحوار الوطني الفلسطيني، فشلت. عصي كثيرة وضعت في الدواليب. إسرائيل أنضجت الظروف، باعتداءاتها الاستفزازية؛ وقامت بعملية الانقضاض العدواني؛ في اللحظة التي اختارتها.

كما أنه ليس من المجازفة القول بأن العلاقات العربية المعروفة، ساهمت في جعل إسرائيل تميل إلى استسهال ارتكاب فعلتها الشنيعة. وطبعاً كان الغطاء الأميركي، كالمعتاد، السند الأكبر الذي ارتكزت عليه؛ لمباشرة ثم مواصلة عربدتها الدموية وما أسفرت عنه من فظائع وخراب. مع سكوت المدافع، طلعت أصوات فلسطينية تتحدث عن الرغبة في الحوار؛ ومنه إلى ترميم بيت الوحدة الوطنية والعودة إليه. كلام يعكس صحوة باتجاه التصحيح.

لغة مشجعة ومطمئنة، إذا كانت نابعة من استيعاب فعلي للدرس. نفس النبرة، لجهة الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت العربي؛ عكستها خطابات الزعماء والرؤساء والملوك، في الجلسة الافتتاحية، أمس، للقمة العربية في الكويت.

وفي ذلك أيضاً تعبير عن رغبة في الاستدراك ووقف الخلخلة في الوضع العربي. فمن جملة ما أكّدته حرب الإبادة هذه، أن الانقسامات الفلسطينية والخلافات العربية، التي لامست أو كادت، خطوطاً غير مسبوقة؛ تحوّلها إسرائيل إلى أرباح صافية لصالحها. أو أنها تصب تلقائياً في هذه المصلحة. كفى من هذه البضاعة. كلاهما القمة والوضع الفلسطيني، قادران على التصحيح اللازم والعاجل.