البطالة هي وجود أناس لا يوجد لديهم عمل ولا يعملون ولا ينتجون، والبطالة أنواع، البطالة السافرة القسرية بوجود قطاع من المجتمع لا يجد عملاً، والبطالة الاختيارية بوجود أناس عاطلين عن العمل برغبتهم، وهناك بطالة مقنعة بوجود أناس يجدون عملاً ويعملون ولكنهم لا ينتجون على الرغم من أنهم يتقاضون رواتب وأجوراً.
وتوجد في عالمنا العربي النماذج الثلاثة، ولم تعد تقتصر على الدول الفقيرة بل الغنية كذلك، ومنها دول الخليج العربية. المشكلة الآن ليست في تلك الأنواع من البطالة بل استجدت بطالة جديدة اسمها بطالة المتعلمين فهناك أعداد كبيرة فمن يحملون شهادات من التعليم العام والجامعي لا يجدون وظائف لهم أو مجالات عمل تستوعبهم.
وهذه المشكلة تتفاقم وأصبحت هاجس الحكومات في دولنا، وكيف نواجه هذه الإشكالية في الحاضر والمستقبل؟ ينتشر التعليم الحكومي والخاص بأنواعه المختلفة اليوم في مجتمعاتنا العام والجامعي والفنـي والتطبيقي والعسكري، والباب مفتوحاً للشباب والشابات باعتباره حقا للجميع ونصت على ذلك دساتير وقوانين الدول. لقد زاد عدد السكان.
وزاد عدد الراغبين في التعليم من الجنسين فزاد عدد المدارس والمعاهد والجامعات، وأصبح في المتوسط ثلث سكان شعوبنا طلبة، ومن ثم أصبحت مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا تخرج عشرات ومئات الآلاف وجميع هؤلاء دخلوا التعليم حتى ينالوا مؤهلات علمية ليجدوا وظائف في سوق العمل ويدخلوا قوة العمل.
في الوقت الذي كانت فيه دولنا تتطلع إلى المتعلمين على أساس أنهم النخبة المؤهلة قبل خمسين عاماً، أصبح الجيل الحالي كله متعلماً وفي الوقت الذي كان المتعلمون قبل عقود يجدون وظائف ميسرة أصبحت صعبة وغير متوفرة في وقتنا الحاضر.
ولما كانت ولا تزال سياسات دولنا بأن التعليم مفتوحاً للجميع وأن حكوماتنا عليها أن توفر العمل للمتعلمين، وأن مخرجات العمل أكثر من حاجة سوق العمل فإن دولنا تواجه مشكلة حقيقية عليها أن تبحث في أسبابها وآثارها والحلول الواجب توفرها لمواجهة هذا النوع الجديد من البطالة، التي هي بطالة المتعلمين.
واعتقدت بعض الحكومات بأن تشجيع الهجرة ربما هي حل لجزء كبير من مخرجات التعليم لديها لكن هذا ليس حلاً جذرياً وأساسياً لهذه المشكلة بل مسكناً لجزء منها. لذلك تبقى هذه القضية ضمن القضايا الأساسية التي تواجه مجتمعاتنا، ويجب التحرك لدراستها واتخاذ إجراءات وقرارات استراتيجية ضمن أولويات برامج دولنا وبخاصة في دول الخليج العربي .
حيث مجالات العمل محدودة بقطاعات معينة، شؤون النفط والخدمات والوظيفة الحكومية والشركات التجارية في سوق محدودة بكل دولة من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. لماذا نقول دراسة الظاهرة لأنه يترتب عليها آثاراً اجتماعية واقتصادية وسياسية.
فهؤلاء المتعلمون قد تعلموا بهدف إيجاد عمل وتحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي يجدون أنفسهم بدون عمل وان فرص العمل أمامهم تضيق في ظل المنافسة في مجال العمل ومعايير اختيار الأفضل في الوقت الذي لم نقدم فيه تعليماً أفضل حصل عليه أولئك المتعلمون.
ثم ألا ندرك أن مشكلة كهذه سيكون لها كذلك آثار سياسية فهؤلاء متعلمون وأعدادهم كبيرة، ويمثلون قطاع الشباب في المجتمع، ويمكن أن يكونوا قوة ضاغطة سياسياً فتصبح أوضاعنا بين فكي كماشة، البطالة التقليدية لغير المؤهلين بكل أنواعها، وبطالة المتعلمين عندها يمكن أن نثير السؤال التالي: لماذا التعليم، ولماذا هو مفتوح للجميع مادام سوق العمل غير قادر على استيعاب مخرجات التعليم؟
إن المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم العربي هي مرحلة تحتاج إلى المتعلمين من أبنائها كونه جزءاً من العالم الثالث النامي والمتخلف، وقد يبدو التناقض واضحاً بين الحاجة إلى المتعلمين وبطالة المتعلمين لكن يبدو أن هناك أزمة إدارة وتخطيط تعيشها الدول العربية. كيف نفهم أن دولاً عربية لديها أعداد كبيرة من المتعلمين في الوقت الذي تستورد أعداداً كبيره من المتعلمين !
وكيف نفهم أن حكوماتنا تشجع التعليم في كل مراحله وتدعمه وتفتقر بلداننا إلى مجالات العمل الكافية لاستيعاب مخرجات التعليم لديها! وكيف نفهم أن حاجة بلداننا كدول نامية إلى المتعلمين في الوقت الذي يهاجر المتعلمون من بلدانهم إلى الخارج ! هي أزمة بالفعل وأسبابها تكاد تكون معروفة سوء التخطيط والإدارة، والأزمات السياسية.
ويطرح بعض الباحثين والخبراء العرب آراء مختلفة حول بطالة المتعلمين والحلول لها لكنها جميعاً في إطار الاقتراحات والآراء المختلفة والمتباينة وليست في نسق استراتيجي واحد سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الإقليم كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
منهم من يعتقد بان الإصلاح الإداري والسياسي الطريق لحل هذه المشكلة وغيرها، ومنهم من يرى عدم وجود أزمة حقيقية وما يسمى بالأزمة في بطالة المتعلمين عابرة ومؤقتة وطبيعية، وطرف ثالث يعتقد بأن التركيـز على التعليم النوعي لا الكمي هو الطريق لمواجهة بطالة المتعلمين.
وآخرون يرون بأن مشاكلنا مزمنة، ومن الصعب أو من المستحيل مواجهة هذه الأزمة بحلول ناجحة ومضمونة مادامت ظروف بلداننا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأزماتها نرثها جيل عن جيل حتى قال بعضنا بأن أمتنا مأزومة مهزومة وستبقى كذلك وهذه العدمية بعينها.
ويضيف البعض إلى بطالة المتعلمين بأنها وصلت إلى حملة الشهادات العليا مثل الماجستير والدكتوراه، بعض هؤلاء يواجهون مشكلة فعلية لأنهم التحقوا بجامعات ليست على مستوى علمي جيد، وحصلوا منها على تلك الشهادات برسائل غير علمية، ويريدون أن يدخلوا مجال العمل .
وليس لديهم المقدرة، وتورطوا في الالتحاق بتلك الجامعات لأنهم استسهلوا الدراسة فيها للحصول على الشهادة دون معرفة بأنه لم تعد جامعات ومعاهد بلدانهم تقبل كل من يحمل الشهادة بدون معايير صارمة تؤكد على النوعية وأن الشهادة وحدها لا تكفي.
إن مستوى بعضهم ضعيفً ولا نريد أن ندخل في الكيفية التي حصل بعضهم على تلك الشهادات التي شاع أن بعضها قد اشتراها بالمال، ولا يعرف شيئاً عن المنهج العلمي ولا الثقافة العلمية.
ولا مجال التخصص ولا حتى اللغة الجيدة التي كتبت فيها الأطروحة وقد كثر عدد هؤلاء من دول الخليج العربي بحكم الإمكانيات المادية التي يملكونها، ولم نجد أحداً من هؤلاء مثلاً قد حصل على تلك الشهادات من هارفرد أو اكسفورد وإنما من جامعات العالم الثالث الضعيفة.
ومن الطبيعي أن يكون عدد من أولئك ضمن بطالة المتعلمين هذا إذا كان معيار الحصول على الشهادة فقط هو معيار الإنسان المتعلم. إننا أمام ظاهرة بطالة المتعلمين، وقد دخلت أجندة دولنا كمشكلة تحتاج إلى التفكير في مواجهتها ولا شك هي مشكلة الحاضر والمستقبل.
كاتب كويتي