مشكلة العرب الأساسية حيال إسرائيل هي أنه ليس هناك قرار أو إرادة للمواجهة. لست أعني قرارا بشن الحرب، بل المواجهة بكل معانيها.

على هذا، تمثل مسألة مثل عقد قمة عربية عاجلة مكرسة لوضع طارئ مثل الحرب الإسرائيلية على غزة قضية خلافية دوما.

وكلما ازداد الجدل حولها على وقع الوحشية الإسرائيلية حيال الفلسطينيين، كلما أصبح النقاش والجدل حول عقد القمة من عدمه مبتذلا لسبب بسيط. المعنيون يدركون سلفا أنها لن تزيد عن مناشدات وأحيانا تدابير ما لكنها في الغالب تحركات سياسية لدعم المناشدات تلك.

على هذا، ليس هناك أي مواطن عربي ينظر بقليل من الأمل لأي قمة يعقدها الزعماء العرب لسبب بسيط يدركه كل العرب: «ليست هناك إرادة للمواجهة».

قد لا ترقى المواجهة المطلوبة إلى حد إعلان الحرب على إسرائيل لأن غالبية الدول العربية المعنية بخيار مثل هذا من تلك التي تسمى «دول المواجهة» أو «دول الطوق» ترهن خيار الحرب على الدوام بإرادة إن لم نقل قرار عربي شامل. لكن هذا يبدو انه مستبعد أيضا لأن جميع الدول العربية حسمت أمرها منذ زمن على ما يبدو بعدم خوض أية حرب ضد إسرائيل.

وقد يكون هذا بسبب حقيقة إستراتيجية هي تلك المتعلقة بامتلاك إسرائيل لأسلحة نووية مثلما روجت بشكل مقصود منذ سنوات طويلة. لكن هذا بحد ذاته أن كان عاملا للتخلي عن المواجهة العسكرية مع إسرائيل، فانه لا يمنع من الالتزام بمواجهة بأشكال عدة ومتنوعة ليس اقلها المواجهة السياسية.

لكن حتى المواجهة السياسية، تم اختزال أشكالها ومضمونها إلى مجرد مناشدات لتحرك دولي لإجبار إسرائيل على الالتزام بقرارات سواء كانت قرارات لمجلس الأمن أو للجمعية العامة للأمم المتحدة أو اتفاقات وقعتها مع الفلسطينيين.

إن في الأمر مفارقة، فالمسؤولون العرب يكثرون من ترديد مفردة «إجبار» إسرائيل، لكن الإجبار لا يمكن أن يتم بمجرد المناشدة أو الجهود الدبلوماسية التي يمكن أن يقوم بها هذا المسؤول الأميركي أو الأوروبي أو ذاك. الإجبار معناه ومدلوله واضح: «القسر».

القسر إن كان له أي معنى فهو لا يعني سوى أمر واحد: «الإيلام». ولسنا هنا بحاجة لتقليب كتيب مدرسي حول المفاهيم الدبلوماسية أو السياسية، فلا يمكن لأي دولة أو كيان أو منظمة أن تستجيب لأي طلب (مغلف بالصيغ الدبلوماسية) إلا عندما تشعر بالتهديد فعلا أو الخسارة أو إجراء موجع ومؤلم.

كما أن الكتيب نفسه يخبرنا أن أي دولة غربية لن تقوم بفعل هذا لمجرد المناشدة من قمة عربية أو قمة إسلامية أو زعيم عربي، بل لابد أن يحرك هذه الدولة الغربية إحساس عميق وجدي بالخطر على مصالحها هي نفسها.

إسرائيل في هذه المنطقة ليست أكثر من بلطجي وزعيم عصابة استأجرت خدماته الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية المؤيدة لها. فواشنطن مبتهجة لخدمات إسرائيل في محاربة ما تسميه بالإرهاب تحت أي مسمى، فلكل طرف أهدافه الخاصة: قادة إسرائيل يشنون الحرب لإبهاج شعب فقد السوية البشرية يبتهج بالدماء والأشلاء من اجل الفوز في الانتخابات.

استراتيجيا: للقضاء على أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية. أما الأميركيين: يؤيدون السياسات الإسرائيلية لأنها تخدمهم تحت أي بند أو مسمى سواء الحرب المبتذلة ضد الإرهاب، أو منع قيام دولة فلسطينية، لأن المهم هو وجود هذا البلطجي (إسرائيل). وجود هذا البلطجي هو المهم لأن في وجوده خدمة استراتيجية للولايات المتحدة والحفاظ على مصالحها بدلا من الاعتماد على حلفاء عرب غير موثوق بهم. ليس هذا فحسب بل أن هؤلاء الحلفاء المفترضين يجب أن يكونوا تحت الضغط والخطر دوما.

مملة جدا هذه الاستعادة المدرسية، لكن العرب يبدون مثل أهل الحارة الذين لا يعرفون كيف يتصرفون أمام بلطجي الحارة الذي فرض نفسه بالقتل والإرهاب ولا يملك سوى جواب واحد أمام حسن النوايا الذي يبدونه حياله: القتل.

ومن الواضح أن غالبية الحكومات العربية تخاف من هذا البلطجي، تخاف أن يلحق بها ضرر أو مكروه من هذا البلطجي فراحت تعول فقط على الآخرين. ليس الأمر تشبيها أو مجازا، فالحكومات العربية اتخذت قرارا منذ زمن طويل بعدم خوض الحروب على أساس قومي، أي من أجل الفلسطينيين أو البلدان العربية الأخرى التي عانت من احتلال إسرائيلي: لبنان، سوريا. لقد تركوا الأمر لكل شعب أن يتدبر أمره وبقي الحد الأدنى هو الدعم السياسي والمالي في حدود معينة.

هكذا، فعندما تخلت الدول العربية عن خيار المواجهة، لم يعد بيدها أمام عجرفة البلطجي سوى مناشدة الآخرين لجم هذا البلطجي. هؤلاء الآخرون هم أحيانا «المجتمع الدولي» وفي أحيان أخرى أرباب البلطجي «الولايات المتحدة».

ولأن البلطجي وأربابه يدركون هذا جيدا، فهم لا يكترثون أبدا، يشنون الحرب تحت أي مسمى وأي ذريعة. النتيجة هي أن البلطجي كلما عربد، كلما تعامل العرب مع عربدته بسوية مفترضة: الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. لكن المنطق وذاك الكتيب المدرسي للدبلوماسية والسياسية يقولان أن البلطجي يحتاج أحيانا للألم، لمقاومة من ضحاياه وجيرانهم لكي يدرك أن عربدته وبلطجته يمكن أن تجابه بالمقاومة وان ضحاياه يمكن أن تتحد في مواجهته.

المنطق يقول ان البلطجي يجب أن يتألم وان الضحايا (المترددين في التضحية) ممن يعولون على تدخل الآخرين يجب أن يتقبلوا شيئا من التضحية والألم لأنه الطريق الوحيد لإجبار البلطجي على التفكير مليا في أن إجرامه يمكن أن ينقلب عليه. كما أن المنطق يقول أن أرباب البلطجي يتعين أن يتألموا أيضا ويلمسوا في الضحايا غضبا يدفعهم (أي أرباب البلطجي) للتفكير في أن غضبة الضحايا ستمتد إليهم وان مصالحهم ستكون تحت تهديد جدي.

عدا هذا الحد الأدنى، فان الكلام حول الأطراف الإقليمية والمحاور والتدخل في الشؤون الداخلية كله كلام أجوف وبلا معنى.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com