حق الإنسان.. حق يطفو في الأحلام ويغرق في التيه

حق الإنسان.. غادرنا من زمن ونسينا كل معانيه

حق الإنسان.. حق لا حق لنا فيه .

أزعم أنني لم أكن على خطأ عندما كتبت هذه الأبيات قبل ما يقرب من عشرين سنة، فقد أفادتنا الوقائع والتجارب بكوننا نجري وراء سراب حين نصدّق بعض ما يقال، بحسن نيّة، على الأغلب، في فاعلية العديد من المؤسسات الإنسانية والتظاهرات التي تتبنّى مواقف نبيلة في تصديها للانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في مناطق ومواقف هنا وهناك . فما أكثر وما أنبل نواياها، وما أكثر لوعتنا حينما نرى الواقع لا يسعفها، والشرائع والقوانين لا تقوى على رد أعدائها .

وعلى ما عندنا من نماذج قديمة في هذا الشأن، لم نر ولم نتوقع أن تصل هذه الانتهاكات لحقوق البشر إلى حد ما وصلت إليه في أحداث غزة القائمة الآن .

فقد حُشدت آلاف مؤلفة من الناس الشرفاء الذين عاضدونا في محنتنا في مختلف أطراف الأرض، وأوضحوا لنا أن التضامن الإنساني مازال كما كنا نسعى إليه ونشارك فيه، ومع ذلك، ما زال هذا التضامن الإنساني يُحصد حصدا بنوايا السياسيين والحكام الفقراء، وأرباب الحرب الذين يستخفّون بحقوق الإنسان، ولا يقيمون لها وزناً؛ بل يذهب بعضهم إلى اجتراح البطولات من خلال التبجح بانتهاكات هذه الحقوق؛ وأمامنا ما تصرّح به تسيفي ليفني وايهود اولمرت من مغالطات وأكاذيب، هي عين الانتهاك لحقوق الإنسان المعترف بها شرعا .

يقول اولمرت : » ليل الخميس الجمعة عندما أرادت وزيرة الخارجية ( كونداليسا رايس ) التصويت في مجلس الأمن على وقف لإطلاق النار لم نكن نريد أن تصوت لصالح القرار «. وأضاف » قلت : أريد التحدث إلى الرئيس بوش . وقيل لي إنه يلقي خطابا في فيلادلفيا . وقلت : لا يهمني أريد التحدث إليه الآن . فنزل من المنبر وتحدث إلي «. وتابع » قلت له لا يمكن للولايات المتحدة أن تصوت لصالح القرار . على الفور اتصل بوزيرة الخارجية وقال لها : لا تصوتي لصالح القرار «.

هكذا، وبكل صلافة، يريد الإيحاء بكون الولايات المتحدة الأميركية ليست أكثر من حلقة في إصبعه تسحب الرئيس بوش من المنبر فيقطع خطبته ليستجيب لأوامر اولمرت .

إلا أن مسئولا في وزارة الخارجية الأميركية سارع إلى نفي رواية أولمرت، متابعا بحدة » ليست الحكومة الإسرائيلية هي التي تقرر السياسة الأميركية «.

وقالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية «إن المفاوضات التي تجري هذه الأيام ضد حماس وليس معها ».

وأضافت « نحن والعرب متفاهمون حول الإنجازات المطلوبة »، كما أن مسئولين كبارا أوصوا بحرارة أن تسير إسرائيل حتى النهاية وتسقط حماس» . أفكان أمراء الحرب، هؤلاء، يسمعون أصوات الشعوب التي هزّت الأرض تضامنا مع غزة وأهلها، مطالبين بأدنى حقوق الإنسان .

أما إذا صح ما تبجحت به ليفني عن ( الإنجازات المطلوبة ) ، فإنها الهاوية بعينها؛ وهي قائمة على التمزق الحاصل في واقع الحال، فها نحن نشهد وضعا لم يكن يمر على الخاطر، ففي هذا الأسبوع ستعقد ثلاث قمم عربية تفصح بشكل صريح عن حالة التشوّش والارتباك الذي يسود الوضع العربي، ويبعث على الأسى والقلق مما يترتب عليه، ويثير الخوف من غياب وحدة الرؤية إلى مصيرنا الغائم في وقت نحن بأشد الحاجة إلى صفائها ووضوحها وصلابتها .

هذا إلى جانب مخاتلة بعض الأطراف التي تغض الطرف عن الكوارث التي تحيق بنا، أو تمييعها وتحويلها إلى سلعة استهلاكية، وتتخفّى بالصمت الذي يضمر القبول، وبالإدّعاءات التي تتظاهر بإسناد غزّة وعينها على إسرائيل. ورحم الله شاعرنا الكبير، الجواهري، حين قال:

ما أقرب الشوط من مرذولة سَفَلٍ

وساكتين على مرذولة سَفَلِ

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fre