إعلان إسرائيل وقف إطلاق النار، من جانب واحد؛ لا يحمل من هذا الوقف إلاّ الاسم. بالأحرى، هو اسم لغير مسمّى. في توقيته ودواعيه وملابساته، يبدو أبعد ما يكون عن المطلوب الواجب حصوله. صحيح أن سكوت آلة القتل، أفضل من هديرها وإيغالها في جريمة تمزيق الجسد الغزاوي.

لكنه سكوت، مع الإصبع على الزناد. التهديد باستئناف المجزرة، قائم. وحدها قوات الاحتلال تقرر لحظة العودة إلى التفجير. لاسيما وأنها باقية في القطاع، وحتى إشعار آخر. كما أنها أيضاً احتفظت لنفسها «بحق الرد». محتل يسلّط سيفه فوق أعناق الواقعين تحت احتلاله، وفي ذات الوقت يزعم أنه أوقف نيران عدوانه! فهو لا يؤتمن، كما أثبتت التجارب معه، على الوفاء بالتزاماته؛ في الاتفاقيات التي يعقدها ويمهرها بتوقيعه. فكيف عندما يعلن عن إجراء، اتخذه لوحده ويزعم التزامه به؟

من نافل القول إن إسرائيل لم تتبرع بهذه الخطوة، الملغومة بكل حال. طبعاً لم تقدم عليها، حقناً للدماء ولا لأسباب إنسانية. هذا خارج قاموسها ومعاييرها.

استهداف المدنيين المتعمد، يؤكد ذلك. عندما يكون أكثر من ثلث الشهداء ـ وقد تجاوزوا 1200 ـ، من الأطفال والنساء؛ وعندما تقصف المدارس والمستشفيات ومراكز الأنروا، مراراً وتكراراً؛ عندئذ لا يكون الأمر صدفة أو خطأ عسكريا. بإعلانها عن هذا «الوقف» الماكر والمزيّف، حاولت تل أبيب ضرب أكثر من عصفور، بحجر واحد. من جهة، قد تبدو أنها كانت المبادر إلى إسكات المدافع؛ وبما يؤدّي إلى تنفيس الضغوط ومشاعر الغضب العالمية، التي فجرتها حرب الإبادة في غزة.

كما قد يمكّنها قرارها الأحادي، من التملص من المبادرات التي تطرح وضع حدّ متكامل لعدوانها، بحيث لا يقتصر على وقف النار فحسب؛ بل أيضاً على الانسحاب وفك الحصار مع فتح المعابر. فضلاً عن أن مثل هذا التدبير المبتور، قد يزيد من حدة الإرباك والانقسام؛ في الساحتين الفلسطينية والعربية؛ المأزومتين بما فيه الكفاية. خاصة عشية القمة، المقرر افتتاحها اليوم في الكويت.

وأهم ما قد يحققه لها، هو مساعدتها ومعها واشنطن؛ على قطع الطريق على العودة ثانية إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد ينص على آلية لتنفيذ القرار 1860.

إسرائيل تحاول، بإعلانها الخبيث، أخذ المبادرة وخلط الأوراق. قمة الكويت، تقدّم فرصة للمراجعة والاستدراك، بالرغم من أجواء التوتر العربية. يكفي ما تسببت به المحرقة من شروخ، مفتوحة على الأخطر؛ لو هي بقيت تتفاقم. وحده التوافق على موقف واحد يحبط حسابات إسرائيل ويجبرها على الالتزام بوضع حدّ فعلي لعدوانها وتقليص خسائره. وإلاّ ليس في الأفق سوى المزيد من النزف والاستنزاف.