اختلطت الأمور في أزمة الغاز الروسية الأوكرانية، وهو اختلاط مقصود يهدف في الأساس إلى إظهار روسيا بأنها تبتز جيرانها في مصادر الطاقة، كما يهدف أيضا إلى تخويف الأوروبيين من مصادر الطاقة الروسية غير الآمنة، و نلاحظ أنه أثناء مسار الأزمة كلما حاولت موسكو الاقتراب والتفاهم مع كييف كلما تشدد الرئيس الأوكراني يوشينكو وابتعد أكثر، لقد وضع يوشينكو نصب عينيه هدفا أساسيا لابد من تحقيقه، ويمكن أن نقول أن لديه تكليفا مباشرا من واشنطن بإثارة هذه الأزمة.
لقد تحدث فلاديمير بوتين رئيس وزراء روسيا الاتحادية الى فريق من الصحافيين الروس والأجانب في 8 يناير فقال: لقد طلبت الاجتماع بكم لإطلاعكم على مستجدات توريدات الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر الأراضي الأوكرانية. ولكي أضعكم في صورة مستجدات العلاقات مع أوكرانيا أعني مسألة توريدات الغاز للمستهلك الأوكراني في أوكرانيا نفسها. ولكن قبل هذا اقترح تقسيم الموضوع إلى مسألتين منفصلتين، سأتكلم عن هاتين المسألتين وجميعنا يعلم انهما مختلفتان.
المسألة الأولى هي توريدات الغاز إلى المستهلك الأوكراني أما المسألة الثانية فهي توريدات الغاز عبر أوكرانيا إلى المستهلك الأوروبي. و قال بوتين «بداية أود الحديث قليلا عن تأريخ هذا النزاع.. روسيا أو الاتحاد السوفييتي السابق كان يتعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال الغاز منذ عقود.. شبكة أنابيب نقل الغاز في سبعينات القرن الماضي تبدأ من الاتحاد الأوروبي إلى أوروبا الغربية، وطوال تلك الفترة كانت شركات الغاز الروسي تورد الغاز بالحجم المطلوب وفي الفترة المحددة وحسب الاتفاقيات الموقعة.
كان هذا يجري حتى خلال فترة الحرب الباردة بل وحتى في ذروة الحرب الباردة. ولم تتخللْ هذه التوريدات أية انقطاعات في الإمدادات. لكن الانقطاعات كانت تحدث بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وارتبط ذلك بظهور دول الترانزيت التي بدأت بالإعلان عن حقوقها والبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس».
ما قاله بوتين حقيقة وواقع ملموس لا يخفيه أحد، وقد جرى ذلك بطريقة غير صحيحة وغير حضارية وبطرق تجارية. هذا بالفعل ما جرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مجال الطاقة بما في ذلك في مجال الغاز بين روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
كما قال بوتين «أود أن ألفت اهتمامكم إلى أن أوكرانيا وخلال السنوات الماضية كانت تحصل على الغاز بسعر ينقص كثيرا عن سعر السوق في الأسواق العالمية. عندما كنا نصدر الغاز إلى أوروبا بسعر مئة أو مئة وخمسين أو مئتي دولار لكل ألف متر مكعب كانت أوكرانيا تشتري الغاز الروسي مقابل أربعين أو خمسين دولارا لكل الف متر مكعبْ. وبهذه الطريقة وخلال السنوات الماضية قدمت روسيا لأوكرانيا مساعدات بقيمة ما لا يقل عن سبعة وأربعين .
البعض في أوكرانيا من أنصار الرئيس يوشينكو يطرح سؤالا خبيثا لتبرير موقفه، وهو «لو لم تكن هناك خلافات سياسية بين موسكو وكييف، هل كانت روسيا تفعل كل ذلك وتثير الأزمة وتقطع الغاز عن الشعب الأوكراني»؟
هذا السؤال ليس في محله، فالخلافات السياسية الآن ليس لها محل في علاقات روسيا التجارية والاقتصادية، والدليل على ذلك أن هناك دولا كثيرة مجاورة لروسيا وعلى خلافات سياسية معها ولم تقطع عنها روسيا إمدادات الطاقة.
أيضا يغفل السؤال قضية هامة وهو أن بيع روسيا الغاز بسعر رخيص لأوكرانيا أو غيرها أمر مرفوض من باقي عملاء روسيا، وخاصة الأوروبيين الذين كانوا دائما يأخذون على روسيا هذه القضية، ثم أن روسيا رفعت أسعار الغاز على جميع جيرانها بما فيها بيلاروسيا التي هي أكبر حلفائها وستحل معها في دولة واحدة اتحادية. وإذا كانت أوكرانيا تدعي تسييس روسيا للقضية فلماذا لا تبادر وتسدد ديونها لروسيا، ولماذا تقوم بسرقة الغاز من خطوط الأنابيب التي تمر في أراضيها متجهة نحو أوروبا .
كاتب أوكراني