في اليوم السابع عشر للحرب الإسرائيلية على غزّة، كان عدد الضحايا يربو على التسعمئة وعدد الجرحى على أربعة آلاف ومئتي جريح.أغلبية هؤلاء هم من الأطفال والنساء. هكذا قالت الأرقام.
وقبل يوم واحد كانت السيدة راما ياد، وزيرة حقوق الإنسان في فرنسا، قد صرّحت لمجلة «نوفيل أوبسرفاتور»، فيما صرّحت، انه «إذا كانت حماس مسؤولة جزئيا» فإن «إسرائيل ليست بريئة تماما». مثل هذه «المعادلة» في المسؤولية نجدها أيضاً في مقابلة لوزير الخارجية برنار كوشنير مع صحيفة «الباريسي» حيث أشار إلى أن «جميع البلدان ترفض الحديث معهم ـ يقصد حماس ـ الذين يرفضون الاعتراف بإسرائيل ويقتلون بالصواريخ».
يمكن بالطبع مناقشة خيارات حماس ومواقفها الإيديولوجية والسياسية والاختلاف معها أيضا. ولكن ليس الآن وإسرائيل تصبّ نيرانها على بيوت غزّة وأبنائها. وبكل الحالات ليس مناقشة حق الشعب الفلسطيني، وحق كل شعب، في مقاومة الاحتلال. ولا يمكن لصاحب ضمير ـ ولو كان عدوّا ـ أن يبقى حياديا أمام ما يجري في غزّة منذ 27 ديسمبر الماضي.
ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ غداة العدوان الإسرائيلي،تتردد في السواد الأعظم من وسائل الإعلام الغربية نغمة لم تتغيّر تقريبا مفادها أن ما تفعله إسرائيل في غزّة هو رد فعل على قذائف حماس الصاروخية، وغير الصاروخية، على البلدات الإسرائيلية «الآمنة».
تلك هي النغمة المتكررة هذا إذا لم تؤثِر وسائل الإعلام المعنية الصمت. وهو صمت لا يمكنه إلاّ أن يكون مريبا إذا قورن بالضجيج الذي أبدته هي نفسها حيال ما رأت فيه قمعا صينياً في التيبت وروسياً في المنطقة الشيشانية وصربياً في كوسوفو وسودانياً في دارفور.
هذه الحالات كلّها تستحق الاهتمام ولكنها ليست أكثر خرقا لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة،من «الرصاص المسكوب» والفوسفور الحارق وغير ذلك من قذائف الموت التي انهمرت على غزّة من البر والبحر والجو.
فلماذا هذا القدر من الصمت المريب؟ ولماذا هذا القدر من التحيّز إذا تمّ الخروج عنه؟ وهل قيمة الإنسان لها معايير أخرى غير إنسانيته؟.
إن مجرّد إلقاء نظرة على عناوين الصحافة الغربية ـ مع بعض الاستثناءات النادرة ـ يدفع القارئ إلى الاعتقاد أن ما يجري في غزّة هو حرب بين قوتين عسكريتين مدججتين بالأسلحة، ويترسّخ مثل هذا الاعتقاد أكثر عند قراءة التفاصيل. هذا دون الإشارة تقريبا إلى واقع أن ما تقوم فيه إسرائيل،القوّة المدججة بالسلاح حقيقة.
هو ليس أقل من عملية عقاب جماعي بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وعقاب جرى التحضير له منذ شهور طويلة من قبل القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية. وليس بعيدا بالتأكيد عن التشاور مع الإدارة الأميركية، بل مع مباركتها لحسابات أوسع.
هذا الموقف الإعلامي المتحيّز لم يكن مجانيا،بل كانت له نتائجه على الأرض. ففي 17 من الشهر الجاري نشرت الصحافة الفرنسية استطلاع رأي حول الجهة المسؤولة عمّا يجري في غزّة. وقد اعتبر 18 بالمئة ممن جرى توجيه السؤال لهم أن المسؤولية تقع على كاهل إسرائيل و23 بالمئة على حماس و28 بالمئة على إسرائيل وحماس بالتساوي. 31 بالمئة لا رأي لهم.
ما يمكن تأكيده هو أن وسائل الإعلام تلعب دورا جوهريا في صياغة الرأي العام. وما يمكن تأكيده أيضاً هو أن المواقف الإعلامية السائدة في فرنسا،وفي الغرب عامة، ليست بريئة وهي تعكس إلى حد كبير موازين القوى المتحيّزة لإسرائيل داخل السلطة السياسية نفسها.
وفي كل الحالات، حتى عندما تتم المطالبة بوقف إطلاق النار ووضع حد لقتل الأبرياء فإن هناك تجاهلا «عمدا وعن سابق إصرار وتصميم» للتعرّض جديّا للبحث في المرامي البعيدة للعدوان الإسرائيلي وفي الجذور الحقيقية للقضية الفلسطينية.
والأخطر والأدهى هو أن أولئك المثقفين الذين تملأ صورهم عادة وسائل الإعلام كمدافعين أشدّاء عن حقوق الإنسان لا نسمع لهم اليوم أي صوت. وإذا سمعناه فقد يكون غالبا في إطار الموجة السائدة وصولا إلى طرح فيلسوف مثل اندريه غلوكسمان سؤال متواطئ في صحيفة لوموند قبل أيام مفاده: «هل صحيح ما يُقال عن المبالغة في الرد الإسرائيلي؟».
أما الفيلسوف الآخر برنار هنري ليفي،الذي ذهب إلى البوسنة وسط النيران والتقط صورا «تذكارية» هناك وطالب الرئيس ساركوزي بالتدخل الحاسم في دارفور،لم يتردد في الكتابة بمجلة «لوبوان» أن «ما يثير الاستغراب ليس قسوة إسرائيل ولكن صبرها الطويل على رؤية الآلاف من صواريخ حماس تسقط على أراضيها».
بالتأكيد ليس المقصود هنا هو الإشارة إلى الانتماء العقائدي «اليهودي» للفيلسوفين ولكن لموقعهما الإعلامي في الدفاع عن حقوق الإنسان. ثمّ هناك مثقفون يهود،بل ولإسرائيليون، لا بد للمرء إلاّ أن ينحني احتراما أمام ما يبدونه من حريّة الضمير ورفض العدوان.
المواقف المتحيّزة في وسائل الإعلام الغربية واكبت قصف غزّة وبدت أنها غالبا بلون الدعاية الإسرائيلية.إنها تعرف ونحن نعرف والعالم يعرف أن غزّة هي البقعة الجغرافية الأكثر اكتظاظا بالسكان والصور التي تنقلها شاشات التلفزيون تشهد أن الوصول ـ إذا أمكن ذلك ـ إلى مقاتلي حماس يمر فوق جثث العشرات من الأبرياء.
لكن هذا لا يعادل،كما يبدو، رؤية «هلع» الأطفال الإسرائيليين من جرّاء صواريخ حماس.. وما تشهده غزّة هو «النزاع الوحيد في العالم حيث ليس لدى المدنيين إمكانية الهرب»، كما يقول رئيس المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة. لا شك أن الخطأ في المواقف الإعلامية الغربية المتحيّزة ليس إذن في الرؤية فقط ولكن، أولا وأساسا، في المحاكمة الضميرية.
إسرائيل مدعومة في الإعلام الغربي من مجموعات ضغط «لوبي» تملك «إمبراطوريات» إعلامية مستعدة لخوض جميع «المعارك» دعما لها وليّ عنق الحقيقة وطمسها إذا أقتضى الأمر.
وكلمة أخيرة عن موقف وسائل الإعلام العربية في معركة غزّة. لعلّها لم تجنّد أبدا إمكانياتها أكثر مما فعلته هذه المرّة كي تعكس ما يجيش في أعماق الرأي العام الشعبي العربي إلاّ منها تلك المتقيّدة حرفيا بالخط «الرسمي» المقرر. لكن معركة الإعلام باتجاه الرأي العام العالمي تستحق جهدا آخر.
كاتب سوري ـ باريس