الخلافات العربية ليست جديدة. وهي، بطبيعتها السياسية، مشروعة ومفهومة. طالما بقيت منضبطة تحت سقف المصلحة الجامعة، العليا. اليوم، هي تواجه لحظة حالكة وشديدة التعقيد. واحدة من أخطر التحدّيات التي عرفتها المنطقة. وبذلك، فهي أمام اختبار نوعي آخر؛ يفرض أكثر من أي وقت مضى؛ ليس التحكم بعملية الضبط فحسب؛ بل أيضاً تضييق هامش التباين.

بل تجاوزه، أو تجميده وبما يمكّن من التصويب الكلي نحو العدوان الإسرائيلي الكاسر على غزة، والمفتوح على الأدهى. فهذا الأخير وضع المنطقة أمام كافة الاحتمالات والسيناريوهات. ما هو على المحك أكبر، بأبعاده وتبعاته، من أية حسابات؛ وبما يجعل كل الخيارات ثانوية، باستثناء التوافق. وحده يوفر الأرضية العربية القادرة على الضغط لوقف النزيف القاتل. التعامل العربي مع العدوان، تراوح بين الارتباك والتحرك والتشاور.

في البداية، ساده شيء من البلبلة؛ أدّت إلى حصول تأخير في الرد. لكن سرعان ما التقط المبادرة، في ضوء التصعيد الإسرائيلي الوحشي، وعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن، بوقف فوري لإطلاق النار.

لكن التحدّي الإسرائيلي للمشيئة الدولية، بغطاء أميركي فاقع، الذي تمثل برفض الانصياع للقرار؛ ردّ الأزمة إلى المربع الأول وأكثر. خاصة وأن تل أبيب وسّعت وصعّدت من نيران آلتها العسكرية. تجاهلت الطلب الدولي وواصلت تحويل القطاع إلى وجبة دم ودمار مريعة. بل هي تهدّد وتتوعّد بالمزيد. الأمر الذي أعاد الوضع العربي إلى التشاور ومحاولة التحرك من جديد.

وفي هذا السياق جاءت الدعوة لعقد قمة طارئة، غداً الجمعة. مرة ثانية عادت البلبلة إلى ساحة العمل العربي. ساهم في ذلك، أن القمة الاقتصادية العربية؛ مصادف انعقادها، في الكويت، الأسبوع المقبل. الأمر الذي أضاف، مع غيره من الاعتبارات المعروفة، تعقيداً على تعقيد. انقسم الصف بين موافق على المشاركة وبين رافض. ما كان يفترض أن يحفز على وحدة الموقف، أدّى إلى العكس.

الواضح أن هناك مقاربتين. مع ذلك، إذا تقاطع الخطان عند نقطة تصب في مجرى واحد؛ فلا بأس في ذلك. المهم أن لا ينسحب التباين على وحدة الهدف. فالظرف عصيب ودقيق، لا يحتمل ما هو أقل من التوافق حول منح الأولوية المطلقة لوقف المجزرة؛ بقطع النظر عن الجدل الذي دار حول القمة ونصابها وجدارتها وموعدها.

الغاية، كانت وما زالت، وضع حد عاجل للجريمة المتواصلة في غزة. القمة وسيلة.على أهميتها، لا يجوز أن تحجب الأساس؛ ولا ضرورة حشد كافة الطاقات لتحقيقه. مع الأخذ في الاعتبار، عامل الوقت الذي تضيق فسحته باليوم. بل بالساعة.