هل هي إرهاصات عصر عالمي جديد؟ أتحدث عن المظاهرات العارمة في عواصم ومدن الغرب التي تنتظم الشارع تضامناً مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتنديداً بالحرب الإسرائيلية العدوانية..

من واشنطن إلى لندن وباريس وبروكسل عبوراً إلى أثينا. أجل.. الشعب الفلسطيني الذي تنهال عليه قنابل بحجم ووزن سيارة صالون نهارا وليلاً وعلى مدار الساعة جدير بهذا التضامن الغربي لكن هذه الظاهرة التضامنية الغربية تشي بمغزى أعمق وأوسع نطاقاً كما توحي توجهات الجماعات المنظمة للمظاهرات وطبيعة شعاراتها.

وهكذا تبدو الاحتجاجات وكأنها موجهة في آن معاً إلى مؤسسة السلطة في أوروبا والولايات المتحدة وإلى النظام الرأسمالي.. وإلى الحركة اليهودية الصهيونية.

ويمكن القول على هذا الأساس أن ما نشهده حالياً يمثل بوادر وإرهاصات لإعادة إحياء حركة اليسار الغربي، والأوروبي تحديداً، في صورة جديدة ضد ما كشفت الأزمة الاقتصادية والمالية الكارثية التي انطلقت من الولايات المتحدة في سبتمبر المنصرم وامتدت نيرانها إلى بلدان أوروبا الغربية.

فالأزمة لم تعكس فشلاً بنيوياً لاقتصاد السوق الحر فحسب وإنما كشفت أيضاً مدى النفوذ اليهودي في النظام المصرفي الغربي وبورصات الأسهم وبالتالي مسؤولية المنظمات اليهودية عن التلاعب الخطير الذي أفضى إلى الكارثة العظمى.

لقد كان من بين الشعارات اللافتة في المظاهرات تكرار عبارة «الهولوكست» ـ أي المحرقة اليهودية على أيدي النظام النازي الألماني ـ في سياق التنديد بحرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وكأن منظمي المظاهرات أرادوا أن يقولوا إن اليهود تحولوا من ضحية إلى جلاد.

وجدير بالذكر هنا أن التنظيم الذي رتب مظاهرة واشنطن التي حملت شعار الهولوكست أطلق على نفسه اسماً إيحائياً هو «تحالف وقف الحرب وإنهاء العنصرية».. وكأن المراد قوله هو العنصرية اليهودية. وتكرر المشهد في مظاهرة العاصمة البلجيكية بروكسل حيث حملت بعض اللافتات عبارة «غزة ـ المحرقة الجديدة».

وإجمالاً تميزت كافة المظاهرات بمشاركة قوية من أحزاب ومنظمات اليسار في أوروبا. فقد ضمت مظاهرة بروكسل عشرات من ممثلي النقابات بالإضافة إلى ممثلي الأحزاب اليسارية في مقدمتها الحزب الاشتراكي.

وكذلك كان الحال في مظاهرة العاصمة الأسبانية مدريد حيث شارك قادة الحزب الاشتراكي الحاكم واتحادات النقابات. وفي سياق متصل توجهت مظاهرة واشنطن إلى مبنى شركة «لوكهيد» العملاقة لصناعة السلاح التي تعتبر من أقوى رموز الرأسمالية الأميركية.

هكذا تبدو الصورة في أوروبا متماثلة مع الصورة في العالم العربي: ولكن انتفاضة الشارع الأوروبي هي بالطبع الأشد خطراً على الحركة اليهودية العالمية.