من أهم السمات التي تميزت بها إدارة بوش هي أنها كانت واحدة من أكثر الإدارات الأميركية على الإطلاق ميلا للتعتيم والسرية ليس فقط بشأن مايدور في أروقتها وإنما أيضا بشأن ماتسيطر عليه من معلومات ويستوجب عليها وفق القانون الأميركي نشره وإتاحته. والتعتيم له تداعياته الخطيرة على العملية الديمقراطية. وبدون إتاحة المعلومات فلا رقابة ولا مساءلة. فكيف يمكن لجهة رقابية أن تحقق في أمر ما إذا كانت لاتعلم أصلا عنه شيئا ولا تستطيع الحصول على المعلومات إذا نما إلى علمها بعض مؤشرات بخصوصه؟!
ولهذا السبب تحديدا ينص القانون الأميركي لحرية المعلومات الصادر في 1966 على أن الحكومة مكلفة بتسهيل حصول المواطنين، لا فقط المؤسسات المنوط بها المهام الرقابية، على المعلومات التي تسيطر عليها المؤسسة التنفيذية.
لكن إدارة بوش سعت منذ توليها لحجب المعلومات بشكل عمدي ومنظم سواء عن الإعلام أو عن المؤسسة التشريعية الأميركية أو عن الرأي العام، وبذلت كل جهدها للالتفاف حول القانون المذكور وغيره من القوانين التي تناهض السرية والتعتيم. وليس صحيحا بالمناسبة أن إدارة بوش لجأت لذلك كله بعد 11 سبتمبر.
صحيح أنها استخدمت الأمن القومي بعد أحداث سبتمبر كذريعة لحجب المعلومات إلا أن السرية وعدم إتاحة المعلومات كان جزءا من سلوك الإدارة طوال الأشهر التسعة الأولى من عمرها قبل سبتمبر 2001.
فعلى سبيل المثال، رفضت إدارة بوش إعطاء الكونجرس المعلومات التي طلبها بشأن اجتماعات وطبيعة فريق العمل الذي تشكل برئاسة ديك تشيني لبحث موضوع الطاقة، حتى أن مكتب المحاسبة العامة التابع للكونجرس اضطر أن يقاضي الإدارة من أجل الحصول على تلك المعلومات.
وقبل أحداث سبتمبر أيضا أصدر بوش أمرا رئاسيا يتعلق بالإفراج عن وثائق أي رئيس أميركي سابق بعد انتهاء فترة حكمه. فلأول مرة صار من حق الرئيس السابق وزوجته وأولاده حجب بعض الوثائق لفترة قد تصل إلى 25 عاما.
لكن 11 سبتمبر كانت بمثابة هدية على طبق من فضة لإدارة بوش، فقد صار من الأسهل بكثير أن تحقق ماكانت تنويه أصلا إذا ما كان يتم بدعوى «حماية الأمن القومي»!
ففيما يتعلق بالكونجرس، المؤسسة المنوط بها دستوريا القيام بالرقابة على أعمال المؤسسة التنفيذية، رفضت الإدارة بانتظام التعاون مع مطالب الكونجرس بإتاحة وثائق ومعلومات تسمح للأخير بالقيام بدوره. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، رفضت الإدارة طلب الكونجرس بالاطلاع على الاتصالات التي دارت بين وزارة الدفاع ومكتب ديك تشيني بخصوص العقود غير القانونية التي منحت لشركة هاليبورتون في العراق.
وهي الشركة التي طالما ارتبط بها ديك تشيني بعلاقة وثيقة وممتدة. ورفضت الإدارة أيضا تقديم عشرات الوثائق التي طلبها الكونجرس بخصوص جرائم سجن أبو غريب فضلا عن رفضها تقديم المذكرات التي كتبها مساعدو الرئيس ومستشاروه في البيت الأبيض والتي تشير إلى أن الإدارة كانت على علم مسبق بأن العراق لايمتلك أسلحة الدمار الشامل التي زعم بوش وفريقه أنها كانت وراء الغزو والاحتلال.
بل أكثر من ذلك، فإن ألبرتو جونزاليز الذي كان مستشارا للرئيس للشؤون القانونية قبل أن يتولى منصب وزير العدل كان قد كذب كذبا صريحا في جلسات الاستماع الخاصة بالتصديق على تعيينه وزيرا للعدل حين نفى في رده على سؤال من السناتور فاينجولد أن تكون من سلطات الرئيس التنصت على الأميركيين دون إذن قضائي.
فقد تبين لاحقا أن جونزاليز بحكم موقعه كمستشار قانوني للرئيس كان يعلم بالبرنامج الذي نفذته هيئة الأمن القومي بأمر رئاسي للتنصت على الاتصالات دون إذن قضائي بل كان هو بنفسه من أهم من كتبوا المذكرات للرئيس التي تقدم التكييف القانوني لمثل ذلك البرنامج.
والأسلوب ذاته في التعتيم والسرية اتبعته إدارة بوش مع الإعلام. فمن الجدير بالذكر أن بوش هو الرئيس الذي عقد العدد الأقل على الإطلاق من المؤتمرات الصحافية مقارنة بكل الرؤساء السابقين. وهو لم يدل طوال سنوات حكمه الثمانية بأية أحاديث لصحيفة النيويورك تايمز كما جرت العادة مع كل الرؤساء السابقين. بل أكثر من ذلك هناك عشرات من الوقائع التي توثق لسعي إدارة بوش لتطويع الإعلام. فإلى جانب فكرة «الصحافيين المقيمين» مع القوات الأميركية،.
وهي الفكرة التي كانت تعني تقويض استقلالية الإعلام في نقل الأخبار، فقد تبين أن إدارة بوش كانت تدفع مبالغ مالية لعدد من الصحافيين العراقيين لتدبيج مقالات إيجابية عن الولايات المتحدة في صحف عراقية. بل تبين أيضا أن الإدارة كانت قد فعلت الشيء نفسه مع عدد من الصحافيين الأميركيين، إذ تبين أنها كانت تدفع مبالغ مالية كبيرة وصلت إلى 240 ألف دولار للصحافي الواحد مقابل كتابة مقالات تروج لسياسات بوش الداخلية في عدد من كبريات الصحف الأميركية!
بل أكثر من ذلك، تعرض الصحافيون الذين كتبوا تحقيقات أو تقارير لم تعجب الإدارة للتهديد والوعيد. فعلى سبيل المثال حين فجرت النيويورك تايمز فضيحة قيام الإدارة بالتنصت على الأميركيين دون إذن قضائي خرج وزير العدل بنفسه ليتهم الصحيفة «بتعريض الأمن القومي للخطر» وهدد الصحافيين والجريدة بالملاحقة القضائية وتم تحويل الموضوع من قضية تتعلق بانتهاك خطير للدستور الأميركي إلى قضية أمن قومي يمكن على أساسها ملاحقة الصحافيين.
السؤال هو كيف سيتعامل أوباما مع ذلك الإرث الثقيل الذي تركه له بوش. فهل سيقوم فعلا بتفكيكه أم سيستلم لإغواء السلطة التي تصبح ممارستها أسهل بكثير في ظل التعتيم والسرية؟
كاتبة مصرية