سأترك عمداً لغة الأرقام جانباً لشرح أسباب قناعتي في تجربة دبي وثقتي في مستقبلها لأنني أعتمد هنا على حقيقة شبه غائبة في النقاش الراهن حول تأثير الأزمة المالية العالمية على اقتصاد دبي. تلك الحقيقة هي أن أكثر العوامل التي أسهمت في وصول دبي بجدارة إلى مستوى العالمية (في نمط الحياة وسرعة الإنجاز وشهرة المكان ووهجه) ما زالت قائمة.

والحاجة إقليمياً لمدينة مثل دبي تزداد يومياً. بل إن الظرف الاقتصادي العالمي الراهن سيجلب مزيدا من اهتمام المستثمرين في المنطقة والعالم إلى دبي ليس فقط لغياب البديل في المنطقة كلها ولكن أيضاً لوجود البنية التحتية المهمة للاستثمار وهذا بحد ذاته من أبرز الاستثمارات الناجحة التي أنجزتها دبي خلال وقت قصير. من هنا جاءت أهمية السؤال: كيف لدبي أن تستثمر في الأزمة الراهنة؟

الخطوة الأولى - في رأيي - تأتي بوقفة مع النفس لمراجعة أخطاء المرحلة السابقة خاصة في قطاع الاستثمارات العقارية وما صاحبها من مضاربات ومبالغات ربما أساءت لمكانة دبي الاقتصادية وعمقت القلق المحلي إزاء خلل التركيبة السكانية ومستقبل الإمارة الديموغرافي. كان متوقعاً أن تقع أخطاء أو أن يستغل بعض المضاربين «طفرة» العقار.

لكن فرصة التصحيح قد بدأت ولهذا لم يكن مفاجأًة أن تقرر مؤسسة التنظيم العقاري في دبي ؟ قبل يومين - إمهال 115 مطوراً عقارياً سبعة أيام لتصحيح أوضاعهم بعد أن شطبت 28 مطوراً عقارياً من قائمة المطورين العقاريين في دبي لعدم الكفاءة. وخطوات تصحيحية أخرى، بهذا المستوى، ستؤكد الثقة في قدرة الجهاز الإداري في دبي على ضبط المخالفات وتصحيح الأوضاع مما سيعزز مجدداً من ثقة المستثمر في دبي ومستقبلها الاقتصادي.

وهذا الركود الاقتصادي العالمي - ومرحلة المواجهة مع الأزمة المالية العالمية ؟ ربما أعطت دبي فرصة مهمة لتقييم تجربة العقد الماضي والتعامل ؟ بهدوء ؟

مع نواقصه. فعلى سبيل المثال، يمكن إعطاء التدريب وتطوير الأداء، خاصة في قطاع الضيافة في الفنادق والأماكن السياحية، جهداً من المتابعة وإعادة التقييم. اللافت أن كثيراً من المشاريع السياحية الكبرى في دبي أُنجزت بسرعة فائقة مما تطلب من القائمين عليها الإسراع في جلب عمالة ليس بالضرورة أنها كانت جاهزة للعمل في بيئة سياحية متطورة مثل دبي إذ إن بعض تلك العمالة كانت تعمل في فنادق من ذات 3 أو 4 نجوم ثم فجأة وجدت نفسها تعمل في دبي في فنادق من ذات النجوم 5 و6 وحتى 7! إنها الآن فرصة أن نستثمر في الظرف الاقتصادي العالمي الراهن باستبدال تلك العمالة أو بإعادة تأهيلها.

من المهم أن نعيد ترتيب الأولويات في سلم الحراك الاقتصادي لدبي. العقار، بإنجازاته الضخمة وبعض إخفاقاته، جزء من اقتصاد دبي وليس كل اقتصاد دبي. ولم تبدأ طفرة العقار في دبي من فراغ بل فرضتها ظروف النمو الاقتصادي المتسرع ونجاح الخطط في استقطاب شركات عالمية عملاقة ومصانع كبرى وبيئة سياحية وأنظمة إدارية ملائمة.

ودبي هيأت ملاذاً للاستثمار يهرب إليه مستثمرون مهمون من دول الجوار يعشقون العقار أو لا يفهمون الاستثمار في غيره. لكنه مهما جدا أن نركز اهتمامنا في المرحلة المقبلة على أسس اقتصادية أساسية تتميز بها دبي عن كثير من مدن المنطقة وتشكل حاجة اقتصادية وتنموية ليس فقط لدبي ولكن للمنطقة كلها.

فموانئ دبي كانت وما زالت تشكل رافداً اقتصاديا مهماً للمنطقة كلها. ومشاريع التصنيع وإعادة التصنيع يفترض أن تبقى من روافد الاقتصاد الحي لدبي.

وتجربة دبي الرائدة في الاستقطاب السياحي، من خلال برامج التسوق والترفيه واستثمار المناخ والشواطئ، ستستمر في توفير مداخيل ضخمة لاقتصاد دبي وبالتالي ستفتح آفاقاً أخرى للحراك في دبي. وبنية دبي السياحية تعد اليوم من أفضل بني الاستقطاب ليس فقط من دول الجوار ولكن أيضاً من أوروبا وروسيا وأستراليا.

ولأن دبي قد خلقت بيئة خلاقة لإقامة المؤتمرات والمعارض بمستوى ينافس على «العالمية» فستظل دبي أفضل المواقع لإقامة فعاليات إقليمية ودولية تدعمها تجربة نجاح وتفوق تميزت بها فعاليات دبي على مدى العشر سنوات الماضية. ولهذا يأتي مهماً استثمار التجارب السابقة في التخطيط للفعاليات القادمة واعتبار تلك التجارب «مكتسبا» اقتصاديا مهما تحتاجه المنطقة كلها. وفي ذات السياق، تضيف مشاريع «المناطق الحرة» إلى حراك دبي، على كل المستويات، الكثير.

خذ مثلاً مدينة دبي للإعلام إذ لم تصبح فقط رافداً من روافد الاقتصاد في دبي ولكنها أيضاً استقطبت المئات من الكفاءات العربية والعالمية للعمل والعيش في دبي. فعدد كبير من نجوم العمل الإعلامي في العالم العربي يتواجدون اليوم في دبي ويشاركون في تشكيل الوجه الجديد لدبي.

من المهم التذكير بأهمية الحفاظ على الأسباب الرئيسة الأساسية التي أغرت مؤسسات إعلامية دولية وعربية كبرى أن تنقل مراكزها أو تؤسس فروع رئيسية لها في دبي. ففي منطقة تحاصرها عقلية الرقيب التقليدي، تصبح دبي أيضاً ملاذاً مهماً للغة الإعلام الجديد وللتفكير التنموي الخلاق.. أو هكذا يجب أن تكون. وتمتلك دبي ما يؤهلها أن تكون مركزاً لاستقطاب الآلاف من الطلاب العرب في المدينة الأكاديمية الجديدة التي يجب أن تستقطب المزيد من الجامعات والمعاهد ذات المصداقية الأكاديمية وفي هذه الخطوة أيضاً خدمة كبرى للتنمية المرجوة للمنطقة العربية كلها.

دبي، عملياً، تستطيع ؟ كما فعلت على مدى عقد ؟ أن تبقى رائدة التغيير الإيجابي في العالم العربي. فما جعل دبي تستقطب اهتماما عالمياً منقطع النظير ليس فقط أبراجها الشاهقة أو مشاريعها السياحية العملاقة وأفكارها الجريئة المبهرة ولكن أيضاً خروجها عن نمط التفكير التقليدي في منطقة تحاصرها الحروب وأخبار الفقر والبؤس!

بعد كل تجربة، عليك أن تقتنص فرصة للتوقف قليلاً، اعتبرها «استراحة محارب» أو «وقفة مع النفس»، كي تتأمل قليلاً فيما مضى وتقرأ ؟ بتمعن ؟ عوامل النجاح وأسباب الإخفاق. استمع لكل وجهات النظر، المتفق والمختلف، المؤيد والممتعض، ثم انطلق مجدداُ نحو الهدف، نحو «الرؤية» الأبعد... ومن أبدع في ابتكار المنجز الضخم الذي تحقق لن يتردد في البدء بانطلاقة جديدة نحو مزيد من الإنجاز ومزيد من الإبهار.

هكذا علمتنا دبي وهكذا أسست فينا روح التفاؤل وعشق التفوق وألق التميز!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu