منذ مدة غير قصيرة لم تعد الموازنة العامة للدولة (موازنة إنمائية) بل تحوَّلت إلى موازنة رواتب وخدمة الدين العام وتسديد عجز إدارات هالكة، حتى أصبحت كل الموازنات التي توضَع وتناقش تُشبه بعضها وتتكرر كل سنة وبالإمكان القول إنه يمكن إقرارها حتى من دون مناقشة.

ماذا تتضمَّن هذه الموازنات لتتحوَّل إلى كتلة من الأعباء التي تُثقِل كاهل المواطن?

- رواتب القطاع العام، وهو متخم بالموظفين والمتعاقدين الذين في نسبة كبيرة منهم لا يعملون شيئاً وقد دخلوا في الوظيفة من باب (التنفيعة).

- العجز الهائل في مؤسسة كهرباء لبنان لجهة أسعار المحروقات المخصصة لها فيها في المقابل لا توفر للمواطن ربع الإستهلاك الذي يحتاج إليه.

- موازنات الصناديق والمجالس التي إما فقدت وظيفتها وإما أن الهدر الذي يطالها يفوق منفعتها العامة.

- الواقع المريب لفاتورة الإستشفاء، والوضع الملتبس بين المستشفيات والضمان.

هذه العوامل مجتمعةً تؤدي إلى إستمرار العجز في الموازنة، ولكن هل بالإمكان تصحيح أي شيء?

في الأيام العادية يصعب ذلك فكيف في (موسم) الإنتخابات النيابية?

وزراء في الحكومة وأعضاء في مجلس النواب يتعاطون مع المواطنين على أنهم (أوراق إقتراع) توضَع في الصناديق، ولأنهم كذلك وليس أي شيء آخر، فليس بالإمكان (إستفزازهم) من خلال التخفيف من أَثقال القطاع العام، كما ليس بالإمكان الطلب اليهم زيادة ساعات العمل خشية أن يخسروا أصواتهم.

أما مسألة كهرباء لبنان فإنها معضلة المعضلات، وبعد المعاناة المتواصلة التي يعانيها الجميع من دون إستثناء يُصبح السؤال التالي مشروعاً:

ما حاجة البلد إلى مؤسسة كهرباء لبنان?

لقد أصبحت هذه المؤسسة عبءً على المواطن والخزينة ولم يعد لها أي وظيفة سوى إستنزاف جيوب المواطنين والخزينة العامة.

إنطلاقاً من هذه الإعتبارات، يُفتَرَض إجراء مقاربة جديدة لموضوع الموازنة، فحين تُناقش يُفتَرَض نسيان الواقع الإنتخابي وإلا فلتُبحَث بعد الإنتخابات (وليست هي المرة الأولى التي يتأخر فيها درس الموازنة) هكذا تخرج من دائرة الضغط الشعبي والمزايدات النيابية والوزارية، وما لم يتحقق هذا الأمر ستبقى الموازنة مجرد دَين إضافي يتكدَّس كل سنة.

إن الوسيلة الأنجع للخروج من هذا المأزق تتمثَّل في فصل النيابة عن الوزارة، وعندها لا يصبح الوزير تحت رحمة آخر ناخب في آخر قضاء، بل يتصرَّف وفق ما تقتضيه مصلحة البلد.