لا ترغب إسرائيل في إقامة سلام يحفظ حتى القليل من حقوق وماء وجه الآخرين. منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1994 في واشنطن قامت إسرائيل بأنشطة محمومة تهدف إلى وضع العصي في دواليب عجلة السلام. الاستيطان هو المعضلة الأساسية والأولى في تعثر عملية السلام.
هذا إضافةً إلى أنشطة إرهابية تتركز على عمليات اغتيال القيادات السياسية والعسكرية للفلسطينيين في أوقات السلم والهدنة والحرب. ما أن توقع إسرائيل اتفاقاً للتهدئة حتى يبدأ جهاز الأمن فيها بالقيام بعمليات إرهابية واستفزازية ضد المدنيين. لم تبدأ حركة حماس الحرب مع وعلى إسرائيل؛ دائماً حماس في طور المدافع بعد تلقي الضربات الإسرائيلية.
لتأمين نصر عسكري مؤكد تزج إسرائيل بجزء كبير من قوتها العسكرية الضاربة في الميدان. أكثر من 60 طائرةً قتاليةً حديثةً أميركية الصنع تدعم عشرات بل مئات الدبابات والعربات المدرعة والطائرات المروحية. هذا مع توجيه من طائرات استطلاع وتجسس متقدمة تحلق فوق القطاع على مدار الساعة.
هنالك دعم قوي من المدفعية الثقيلة بعيدة المدى ومدافع الأسطول البحري الإسرائيلي، ذي السمعة المعهودة في ضرب أهداف ساحلية مدنية صرفة. فعلياً، لا توجد في قطاع غزة من أهداف عسكرية تستأهل مثل ذلك الحشد الهائل. لكن العقلية الإسرائيلية الحاقدة تذهب إلى اعتبار المدنيين ومنشآتهم أهدافاً عسكرية يجب دكها وتدميرها؛ عملية تسمى في العرف الدولي «إبادة عرقية جماعية».
تشارك الإدارة الأميركية في الحرب على قطاع غزة ومحاصرته. ذلك من خلال الدعم السياسي والمادي والمعنوي إلى جانب كون الجيش الإسرائيلي يعتمد بشكل شبه مطلق على الأسلحة والعتاد الأميركي. ميدانياً لا تجرؤ إسرائيل على إطلاق قذيفة واحدة دون الحصول على ضوء أخضر من الإدارة الأميركية.
يحدث هذا التمادي الحالي بعد أن أيقنت الإدارتان الأميركية والإسرائيلية أن الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية هي من الضعف بل العجز الدبلوماسي والسياسي والعسكري بمكان. لا تسمح الإدارة الأميركية حالياً حتى بمناقشة رد منصف على جرائم العدوان الإسرائيلي في مجلس الأمن الدولي. يختزن مجلس الأمن في أحشائه «فيتو» دائماً خاصاً بالشكاوى والقضايا العربية.
المنظمات الإقليمية والدولية تكتفي حتى الآن بإصدار مذكرات وبيانات الشجب والاستنكار لما يجري. هذا في الوقت الذي يجب فيه على تلك المنظمات التحرك بشكل أكثر قوة وحسماً لوقف إراقة دماء الشعب المحاصَر في قطاع غزة. الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة دول عدم الانحياز والأمم المتحدة وحتى مجلس الأمن وقفت جميعاً مكتوفةً وعاجزةً بل مشلولةً أمام ما يجري، أو هي هكذا بادئ ذي بدء. ذلك ما يظهر مرة أخرى عجز العالم أمام غطرسة الإدارة الأميركية وصنيعة الإمبريالية العالمية، إسرائيل.
لم تصل الهبة الشعبية العالمية بعد مرحلةً فيها تشعر الإدارتان الأميركية والإسرائيلية بضغط الرأي العام الدولي. ذلك ما يعطي إسرائيل وقتاً أطول للاستفراد بالقطاع بما فيه من نساء وشيوخ وأطفال، ورجال عزّل من السلاح. لا غرابة في ذلك لأن معظم نقاط «الانتفاضة الشعبية» تتركز في المواقع العربية والإسلامية وشعوب العالم الثالث. هؤلاء الضعفاء لا اعتبار لهم في موازين السياستين الإسرائيلية والأميركية اللتين تعربدان في المكان دون اعتبار لرقيب أو حسيب.
الطرفان الرسميان العربي والإسلامي منشغلان فقط في إيجاد صيغ للتعبير اللغوي عن الاحتجاج والانفعال والامتعاض لما يجري. صحيح أن الطرف الرسمي من الضعف العسكري والاقتصادي والسياسي بمكان لكن الاستمرار في هذه الحال العبثي أمر مشين.
على الحكومات والمسؤولين أن يبدؤوا بالتحرك باتجاه «أساس البلوى»، الإدارة الأميركية. على المسؤولين العرب والمسلمين أن يتعلموا أسلوب التخاطب مباشرة مع الإدارة الأميركية. وسائل الإقناع والتفاهم والضغط قائمة على الصداقة والمصالح المتبادلة والدبلوماسية والسياسة والاقتصاد وتطبيق القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان.
المقاومة الفلسطينية المشروعة قامت من جانبها بما هو أقرب إلى المستحيل لصد العدوان. ها قد مضى وقت لا بأس به على صمود المقاومة الأسطوري. آن الأوان للعالم بأكمله أن يتحرك ويضع حداً للجرائم والغطرسة والعربدة الإسرائيلية المدعومة بقوة أميركياً.
لا يكفي لجماعات حقوق الإنسان أن تستمر فقط في إصدار بيانات الوصف لما يجري، والنقد والشجب المصاحبين أحياناً. باتت تلك البيانات حقيقة لا تعني أي شيء للكثيرين في هذا العالم، من جانب أصدقاء حقوق الإنسان وجانب المناوئين لتلك الحقوق. استمرار التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان يضع الذهنية البشرية في صورة عالم تسود فيه شريعة الغاب ويتحكم فيه القوي والأقوى.
خاب ظن الإدارتين الأميركية والإسرائيلية حين اعتقدتا أن المقاومة قابلة لإلحاق الهزيمة بها. المقاومة ورغماً عن المحدودية في الحجم والعدد وميدان المناورة تثبت مرة أخرى حقيقةً مفادها أنه لا يمكن إلحاق هزيمة بمقاومة يدعمها شعب. لن تكون المقاومة في قطاع غزة أقل حسماً للموقف من أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي ولا فيتنام والعراق ضد الولايات المتحدة ولا لبنان ضد إسرائيل. الدروس القادمة من هذه الأمثلة قوية لكن إسرائيل تجثم على وضع لا تُحسد عليه داخلياً واقتصادياً ودولياً. من يعرف؟!
ربما سيكون قطاع غزة ذو المساحة التي تقل عن 400 كيلومتر مربع هو بمثابة المعجزة الذي سيخرج الكيان الإسرائيلي المتغطرس من حيز الاعتبار الإقليمي والدولي والإنساني!.
لقد «أحسن» الإسرائيليون والأميركان صنعاً في توجيه ضربة قوية لكن هوجاء إلى حركة حماس في قطاع غزة. بين عشية وضحاها تحولت حركة حماس من حركة محدودة ومتهمة إسرائيلياً وأميركياً وحتى غربياً بالتشدد والإرهاب إلى حركة عالمية للمقاومة يُنظر إليها بمزيد من الاحترام.
الطرفان الإسرائيلي والأميركي خاسران معنوياً وسياسياً منذ بدء الحملة العسكرية على القطاع المحاصَر بإحكام. شوارع المدن عبر الدول العربية والإسلامية والعالمية، وحتى في بعض المدن الأميركية والإسرائيلية، تشهد نشاطاً معارضاً للحرب وتتفهم الموقف الذي تتبناه حركة حماس المبني على مقاومة احتلال فاشي إجرامي من الدرجة الأولى.
جامعة الإمارات