منذ انعقاد مؤتمر أنابوليس للسلام في نهاية نوفمبر 2007، ظلت الولايات المتحدة الأميركية تقدم للرئيس الفلسطيني محمود عباس ولباقي الدول العربية الأوهام حول الدولة الفلسطينية المؤقتة، التي كان من المفترض أن ترى النور في نهاية سنة 2008. كما أن إسرائيل ربطت موافقتها بإنشاء دولة فلسطينية بالتزام فلسطيني موثق دوليا على إنهاء الصراع الفلسطيني ؟
الإسرائيلي، بما يعني ذلك التخلي النهائي عن المطالب السابقة واللاحقة للشعب الفلسطيني تجاه إسرائيل، مثل تطبيق القرار 181 الخاص بتقسيم فلسطين (1947)، والقرار 194 لعا م 1948 الخاص بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين أو العودة لخطوط الهدنة لعام 1949.
وجاء العدوان الصهيوني الذي يدك قطاع غزة بالصواريخ والقذائف والقنابل منذ أكثر من أسبوعين ومن دون توقف، ليؤكد أن إسرائيل ليست ماضية قدما في تصفية آخر جيوب المقاومة الفلسطينية فحسب، وإنما هي ماضية أيضا في القضاء على الحلم الفلسطيني لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس، ومن دون مستوطنات ومع البحث بموضوع العودة.
العدوان الصهيوني على غزة له تداعيات إقليمية كبيرة، لعل أخطرها هو إلغاء «خيار الدولتين» الإسرائيلية والفلسطينية حسب تأكيد مسؤولين أردنيين. فقد أكد أحد هؤلاء المسؤولين والذي فضل عدم الكشف عن اسمه «في هذا الإطار فإن شبح ضم جزء من أراضي الضفة الغربية إلى الأردن مع مخاطر أن تصبح المملكة وطنا بديلا للفلسطينيين بدأت تلوح في الأفق من جديد».
وقال مسؤول آخر إن «العمليات العسكرية ضد حماس ممكن أن تخلق فراغا في غزة التي قد تؤدي حينها إلى عملية ضمها إلى مصر». وأضاف إن «هذا السيناريو سيفتح الطريق أمام عملية ضم جزء من أراضي الضفة الغربية، التي كانت تابعة للمملكة حتى احتلالها من قبل إسرائيل في عام 1967، إلى الأردن»، مشيرا إلى أن هذا السيناريو «تروج له مجموعات سياسية إسرائيلية وأميركية تعارض قيام دولة فلسطينية مستقلة».
ورأى السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة جون بولتون في مقال له تحت عنوان «حل الدول الثلاث بديل من حل الدولتين» نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أنه« عوضا عن ذلك ينبغي التفكير في مقاربة على أساس ثلاث دول توضع بموجبها غزة مجددا تحت سيطرة مصر فيما تعود الضفة الغربية وفق صيغة معينة تحت السيادة الأردنية».
ويجري المسؤولون الأردنيون حاليا اتصالات لتجاوز هذا المأزق الخطر ويعملون لإقناع إدارة الرئيس جورج بوش وحكومات أوروبية وبعض الجهات العربية بتبني الصيغة الآتية لتحريك عملية السلام وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار.
أولاً - ليس كافيا أن تطلب الدول الكبرى من «حماس» الاعتراف بوجود إسرائيل، ونبذ العنف والإرهاب وقبول الاتفاقات الموقعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين،لأن هذا المطلب وحده لن يؤدي إلى أي نتائج عملية.
ثانياً - يجب أن يتم التوصل إلى تفاهم بين عدد من الدول العربية الرئيسية والمقاومة الفلسطينية من أجل تأمين مظلة عربية لعملية تفاوض جديدة تشارك فيها المقاومة وأبومازن وتعتمد على مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002، بحيث تهدف عملية التفاوض هذه إلى تنفيذ «خريطة الطريق» وتطبيقها وهي الخطة الدولية الوحيدة التي تتضمن إقامة دولة فلسطينية في نهاية المفاوضات. وبموافقتها على ذلك تكون «حماس» قبلت ضمنا الاعتراف بإسرائيل.
ومن وجهة النظر الأردنية، إذا لم تنطلق عملية تفاوض جدية فلسطينية إسرائيلية بإشراف دولي ملائم وعملت حكومة أولمرت على تنفيذ مخططها التوسعي بقرارات أحادية الجانب، فلن تقوم دولة فلسطينية حقيقية متكاملة في الضفة الغربية وغزة بل سيكون هناك «غيتو فلسطيني»، و«كيان فلسطيني مبعثر» .
وسيجد الفلسطينيون أنفسهم أمام أحد خيارين: إما الخضوع، ولفترة طويلة غير محددة للهيمنة الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة عليهم، وإما الهجرة إلى الأردن، مما قد يمهد لقيام دولة فلسطينية بديلة هناك، إذا ما اعتمد الإسرائيليون هذا الخيار لتسهيل ضم أراضٍ واسعة من الضفة الغربية إلى الدولة اليهودية، وإذا ما تساهلت الدول الكبرى مع هذا المخطط الإسرائيلي.
كاتب تونسي