لا أستطيع توقع النتيجة العسكرية للعدوان الإسرائيلي الجديد المتمثل في محرقة الإبادة ضد شعبنا الفلسطيني في غزة. لكنه منذ الآن يمكن القول أن إسرائيل تكبدت هزيمتين ماحقتين في أقل من ثلاث سنوات من عهد إيهود أولمرت. الأولى بنتيجة الحرب الظالمة على لبنان صيف عام 2006 التي بددت أساطير كثيرة حول إسرائيل الكلية القدرة. لكن المكون الأكبر في هزيمة عام 2006 كان في الدمار النفسي الهائل الذي لحق بالمجتمع الإسرائيلي والذي لا يزال يعاني منه إلى اليوم.

الهزيمة الثانية هي التي تتبين ملامحها في الحرب الجارية في غزة الآن. وهي هزيمة لأنها مهما كانت نتيجتها فهي في إطار التكتيكات السياسية وليس الإستراتيجية في البحث عن حل لمشكلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لكن المكون الأساسي في هذه الهزيمة هو أيضا تعمق ذلك التدمير النفسي الذي بدأت تلحقه في المجتمع الإسرائيلي علاوة ما ألحقته الحرب على لبنان. يقول صحفي Le Point الفرنسية جان غيسنيل ان الوضع ازداد سوءا في الفترة الأخيرة ، حيث ان الاستخبارات الإسرائيلية نشرت معلومات بأن حماس تمتلك الآن صواريخ أبعد مدى من السابقة ذات العشرين كلم.

وأثبتت الأيام القليلة الماضية أن مداها قد تخطى ذلك. غير أن Haaretz الإسرائيلية أشارت إلى أن الإسلاميين قد يصبحون قريبا قادرين على إطلاق صواريخ يبلغ مداها 70 كلم لتصبح تل أبيب نفسها هدفا مباشرا.

يختلف المحللون حول إمكانية دخول إسرائيل في مغامرة الاجتياح البري. لكن المعطيات تشير إلى أن اجتياحا لمسافات معينة محتمل جدا، لكن ليس الآن بالضرورة. فالانطباع الذي خرج به غينسيل هو أن الجنرالات الإسرائيليين غير ميالين للإمعان عنادا في أخطائهم السابقة بالشعور بزهو الانتصار منذ بداية الحرب على لبنان صيف عام 2006.

إنهم الآن يدمرون بشكل منظم كل المباني التي يعتقدون بأنها تمثل نقاط ارتكاز لحماس، بدءا من قتل أكبر عدد ممكن من قادة المنظمة وموظفي أجهزة الأمن. «هذه الحرب لن تنتهي قريبا» ? يختم غيسنيل مقالته. كما أن حماس تؤكد على أن المفاجئات الحقيقية للإسرائيليين لم تأت بعد.

لست من أنصار حماس لا فكرا ولا سياسة، ولا ممن يتمنون أن يبقى مصير شعبنا الفلسطيني في غزة رهن النزعة المغامرة لقادة كهؤلاء. لكن المسألة هي أن نزعة التطرف هنا تقابلها حالة أخطر من التطرف في الجانب الإسرائيلي.

حيث أن كل الأمور تقرأ الآن إسرائيليا في سياق السباق نحو الانتخابات التي ستجري في 10 فبراير المقبل، بما في ذلك القرار بشن الحرب الحالية. وقد كشف جريف ويت في The Washington Post أن قرار الحرب قد اتخذ من قبل ثالوث هش في لقاء سري ضم وزير الدفاع إيهود باراك، رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني.

وأن هذا القرار وجد كل التأييد من قبل بنيامين ناتانياهو الواقع خارج السلطة الآن. وإذا كان أولمرت يتصرف كلاعب القمار، فإما أن «يغسل» عن وجهه عار هزيمة لبنان «بنصر» في غزة، وإما أن يخرج من السلطة بالعارين معا، فإن كلا من الثلاثة الآخرين يسعى لتجميع مزيد من نقاط الثقل السياسي عن طريق إلهاب هذه الحرب.

ما الذي يفسر التقاء تكتيكات الأعداء «الانتخابيين» الإسرائيليين في مغامرة واحدة؟ وما الذي يجعل الإسرائيليين عموما يؤيدون بغالبية ساحقة، حتى الآن على الأقل نزعة المغامرة التي لا يرى أحد من المراقبين الحصيفي الرأي من مختلف العالم غير آفاق مظلمة ستجرها على كامل المنطقة؟

الكاتب خوسيب رامونيدا يجيب في صحيفة El Pais الإسبانية محذرا اليهود من الجذر العنصري في وعيهم القومي الديني: ما يلحق الضرر باليهود هو الوعي الملازم لهم بأنهم شعب الله المختار، الذي يقوم عليه اعتقادهم بأن قتل إسرائيلي واحد يبرر قتل 100 فلسطيني.

ورغم أن الكاتب لا يذهب إلى حد مطابقة جرائم الإسرائيليين الشنيعة بالجينوسايد النازي، إلا أنه يرى بأن هذا الوعي قد هيأ لأن توجد وتفعل باستمرار آلية متكاملة للتدمير الدائم والمنظوم للشعب الفلسطيني.

وفي إشارة إلى أن هذا التدمير يحمل في أحشائه تدميرا ذاتيا للمجتمع الإسرائيلي نفسه، يسجل رامونيدا موقفا هاما إذ يقول في مقالته «شرف إسرائيل».. وإنه ليتهيأ إلي أحيانا بأن غلطة الشعب اليهودي الكبرى كانت في إقامة دولة إسرائيل. وبهذا فهو ربما فقد القسم الأعظم من نفوذه. لقد حصل على سلطة ووطن محدد على الأرض، لكن الثمن أصبح باهظا بالنسبة للجميع.

لا شك أن العنصرية الصهيونية أكثر تكلسا من الفكر «الحماسي» المتزمت. وبالرغم من أن قائد المكتب السياسي لحماس ظل حتى فترة قريبة يتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه «لم يفهم لحد الآن أن القوة وحدها هي التي ستجبر إسرائيل على الموافقة على إعلان الدولة الفلسطينية في أراضي 1967»، إلا أنه، وكأنه قد أدرك قبل 24 ساعة على نشوبها أن الحرب على غزة وشيكة، قال للناشر والكاتب والناشط الاجتماعي ماريك هالتز في لقائه معه الذي نشر في صحيفة La Repubblica الإيطالية: «لو أن هابيل تحدث مع قابيل لما كان قتله».

وإجمالا، إذا كانت حماس لم تقبل بتمديد الهدنة، وأن القادة الإسرائيليين رأوا في شن الحرب فرصتهم السانحة لتحقيق أغراض انتخابية فإنه يبقى صحيحا القول ان رقصة الموت تحمل خطرا مزدوجا يتمثل في تصاعد النزعة الإسرائيلية المغامرة نحو احتلال غزة بالكامل، غير أن هذه الحرب لن تساعد بأي شكل على حل النزاع، بل ستؤجج مزيدا من الكراهية وتمهد الأرض من أجل استمرار تعزيز قوة حماس.

وإذا كان المسؤولون الإسرائيليون كثيرا ما يرددون هذه المرة بأنهم في سعيهم لاجتثاث حماس فإن الأهم من التخلص من حماس هو وقف سيل الدم الفلسطيني قبل أن تمتلئ المستشفيات العربية المتضامنة بالضحايا.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com