«قانون المطبوعات والنشر» في دولة الإمارات هو القانون الذي ينظم العلاقة بين الحكومة والمطبوعات التي عرّفها القانون فقال إنها (تعني كل الكتابات أو الرسومات أو القطع الموسيقية أو الصور الشمسية أو غير ذلك من وسائل التعبير بأي مادة كانت سواء كان ذلك مقروءا أو مسموعا أو مرئيا إذا كان قابلا للتداول).

وقد ظل هذا القانون محل حوارات كثيرة ومداولات منذ إصداره في السادس عشر من نوفمبر عام 1980 وحتى اليوم، ولعل أشهر هذه الحوارات ما دار في جمعية الصحفيين وخرج منه المقترح الذي أطلق عليه مقترح «قانون الصحافة» لمشروع تعديل قانون المطبوعات والنشر، متضمنا 44 مادة جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار عند التفكير في إعداد قانون بديل أو تعديل القانون الحالي.

وبعد 28 عاما من إصدار قانون المطبوعات والنشر، أعدت الحكومة مشروع قانون جديد أطلقت عليه قانون «تنظيم الأنشطة الإعلامية» من المقرر أن يطرح على الجلسة المقبلة للمجلس الوطني الاتحادي تمهيدا لإصداره وفق الإجراءات الدستورية المتعارف عليها، 28 عاما فترة ليست بالقصيرة بالنظر إلى الشوط الذي قطعته الدولة في مجال التنمية والتعمير والتعليم وإعداد الكوادر وبناء المؤسسات، الأمر الذي يجعلنا نتوقع تغييرا جذريا في القانون القديم الذي صدر في فترة كانت الصحف وأجهزة الإعلام خلالها تعيش مرحلة البدايات والتجربة المعرضة للكثير من القصور والأخطاء، نظرا لحداثة عهد الدولة وأبنائها وقلة خبرتهم في هذا المجال.

لكن هذا التغيير- بعد الإطلاع على مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية - لا يرقى مع الأسف إلى مستوى الطموح الذي يتفق مع الطفرة التي حدثت في إعلام الإمارات، ولا مع التصريحات والمواقف التي صدرت من قمة هرم السلطة مساندة للصحافة، ولا مع التطور الهائل الذي حدث في هذا المجال تقنيا ومهنيا بحيث تجاوز العالم نظرية «القرية الصغيرة» وفق التعبير الشهير الذي أطلقه «مارشال ماكلوهان» في ستينيات القرن الماضي.

نقول جاء مشروع القانون محبطا ودون مستوى الطموح لأن قراءته تعطي انطباعا بأنه ليس أكثر من نسخة مختصرة ومنقحة من القانون القديم الذي تجاوزه الزمن، بل إن القانون القديم ربما كان أكثر وضوحا وتفصيلا في بعض النواحي من مشروع القانون الجديد الذي تبدو نصوصه هلامية ومفتوحة على كل الاحتمالات والتأويلات والتفسيرات، وفقا لرؤية الطرف المستفيد أو المتضرر منه، مثال على ذلك المادة 17 من القانون التي جاءت كالتالي:

(للمجلس أن يضع - بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة والجمعيات المعنية بالدولة- القواعد والنظم التي تضمن:

1- توفير البيئة المناسبة لأداء العمل الإعلامي على الوجه المطلوب.

2- إلحاق مواطني الدولة بالعمل الإعلامي وفقا للضوابط التي يضعها المجلس في هذا الشأن).

ألا تبدو هذه المادة فضفاضة وغير ملزمة، في الوقت الذي يجب أن تكون القوانين فيه محددة وصريحة وواضحة، خاصة وأن مشروع القانون الجديد يطلق يد المجلس الوطني للإعلام في وضع الشروط والضوابط كما جاء في المواد (9، 12، 17، 23، 27، 37 و42) منه، حتى لو قيل إنه من المبكر إصدار حكم كهذا قبل الإطلاع على اللوائح التنفيذية للقانون؟

والأهم من هذا كله أن مشروع القانون الجديد ركز على الشروط والضوابط، ونص على بعض العقوبات، وحدد بعض الغرامات التي لم يحددها القانون القديم، لكنه لم يلتفت إلى مساندة الصحافيين وتعزيز دورهم في المجتمع ومنحهم الدفعة التي يمكن أن ترسخ مكانة الصحافة كسلطة رابعة مثلما يطلق عليها، فهو لم يسع مثلا إلى تمكين الصحافيين من الحصول على المعلومات الإحصائية والتقارير والردود من الجهات ذات الاختصاص باعتبار أن حرية تدفق المعلومات والحصول عليها حق من حقوق الصحافة.

وأن على المؤسسات والهيئات الحكومية والجمعيات والشركات والمؤسسات الأهلية تمكين الصحف من الحصول على المعلومات دون عوائق (المواد 9، 10، 11، 12، 13 و14 من مقترح قانون الصحافة- جمعية الصحفيين) كما أن مشروع القانون لم يشر من قريب أو بعيد إلى حق الصحف في المحافظة على سرية مصادرها، حيث إن سرية المصادر حق من حقوق الصحافة، ولا يجوز لأي جهة إجبارها على إفشاء أسماء مصادرها، ولا يعتبر عدم الكشف عن المصادر مخالفا للقانون (المادة 16 من مقترح قانون الصحافة- جمعية الصحفيين).

ورغم التوجيه الذي صدر عن صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بعدم حبس الصحافيين في القضايا ذات الصلة بعملهم فإن مشروع القانون الجديد لم يحاول أن يخرج مخالفة أحكام القانون من جرائم القذف التي تقع مخالفتها تحت وصف الجناية أو الجنحة.

كما أنه لم يحاول منع توقيف الصحافي في قضايا النشر أو حجز جواز سفره أو طلب كفالة شخصية أو مالية والاكتفاء بضمان محل عمله (المادتان 26 و27 من مقترح قانون الصحافة- جمعية الصحفيين) ولم يسع مشروع القانون الجديد أيضا إلى إخراج قضايا الصحافة من دائرة المواد الخاصة بالجنح والجنايات والغرامات الواردة في قانون العقوبات، واستحداث دائرة خاصة في المحاكم، تكون مهمتها النظر في القضايا المرفوعة ضد الصحف والصحافيين بناء على هذا القانون (المادتان 28 و29 من مقترح قانون الصحافة- جمعية الصحفيين).

لهذا كله نتساءل: ما هو الجديد الذي أتى به مشروع قانون «تنظيم الأنشطة الإعلامية» سوى اختصار مواد القانون القديم وإعادة صياغة بعضها، وتغيير التعريفات الواردة في المادة الأولى من القانون القديم كي تتفق مع التطور الذي حدث في وسائل الإعلام، والتغيير الذي حدث في هيكلة الحكومة بعد إلغاء وزارة الإعلام والثقافة وإحلال المجلس الوطني للإعلام محلها؟

كنا نتمنى ونتوقع أن يكون التغيير في القانون جذريا على النحو الذي يتفق مع التطور الذي حدث في فكر وأسلوب إدارة الدولة والشفافية التي تنتهجها، كما كنا نتمناه تغييرا يفتح آفاقا أرحب لوسائل الإعلام المحلية في عصر الإنترنت والفضاء المفتوح اللذين لم تعد معهما مثل هذه القوانين ذات فاعلية كبيرة، لأن كل المنافذ أصبحت مفتوحة ولن يؤدي تقييد وسائل الإعلام المحلية إلا إلى عزوف المتلقين عنها ولجوئهم إلى وسائل أخرى لا تقع تحت سيطرة القوانين التي تحصي عليها أنفاسها.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com