بعد النجاح الكبير الذي حققه المخرج الشاب محمد سعيد حارب في المسلسل الكرتوني الشهير «فريج» وقاد باقتدار عجائزه الأربعة وفريق عمل المسلسل الذي أبهر الجماهير. وكان علامة فارقة على خارطة الدورة البرامجية الرمضانية لقنوات مؤسسة دبي للإعلام في أجزائه الثلاثة، جاءنا وبعد 3 سنوات من العمل الجاد ليواصل تألقه بصحبة «العيايز» في عرض مسرحي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه بارع وباهر بكل المقاييس.
في العرض الخاص لـ «فريج فلكلور» الذي قدم مساء الخميس الفائت على خشبة أرينا كان الحضور لافتا بشكل غير معهود مع العروض المسرحية، وتحديدا في عروضه الخاصة جاءوا ليشاهدوا أضخم إنتاج عربي يعنى بالتراث ويحتفي به في لوحات جميلة جمعت بين الاستعراض والموسيقى وبين الصور والرسوم المتحركة والأداء المسرحي الحي، فعاش الجمهور خيالا امتزج بالواقع، وسعد خلال مدة العرض بصور أبعدته عن واقعه وأخرى أعادته إليه.
كانت البداية في الفريج الذي لم يفصل هذه المرة بيننا وبينه شاشة التلفاز بل شعرنا ومن خلال الشاشة الكبيرة والخدع البصرية التي كان للتقنيات الحديثة دور بارز في جعلها مذهلة، وكأن الفريج أمامنا نشاهد أحداثه حية ومنه سبرنا أغوار رحلة عبر الأزمان طافت بها دولنا، ومر بها الرحالة العربي الشهير إبن بطوطة الذي دخل التاريخ دون «حماره» الذي إعترض على ذلك وسأل العجائز إن جاء التاريخ على ذكر اسمه فتبرعت الملسونة «أم خماس» بالإجابة أن التاريخ ذكر الكثيرين من أمثاله أما هو فلم يرد اسمه بينهم.
من خلال الرحالة يطوف المشاهد بعدد من الدول، يتعرف في كل منها على ثقافة شعوبها وعاداتهم، كلها رائعة وجميلة لكن تبقى ما لدينا من حضارة وتاريخ وحاضر أجمل من كل شيء، وتبقى هويتنا الوطنية بكل ما فيها تفاصيل أصيلة في حياتنا تستحق العناية بها، لأننا بدونها نكون كمن يحلق في فضاء شاسع لا يدري إلى أين هو ماض وما هي وجهته، وماذا هو فاعل بلا قواعد تثبت قدميه على الأرض ورؤية تحدد ملامح رحلته وأجنحة قوية تعينه على التحليق.
عرض ضخم حاول خلاله محمد سعيد حارب وفريقه جاهدين تقديم ما يستحق المشاهدة، فيه الكثير من التقنيات الفنية الحديثة، يجمع على الخشبة الكثير بين ما هو حي، وما يعتمد على الخدع البصرية جميعها في النهاية صنعت فنا من نوع جديد لا يتكرر كثيرا ،مع الصورة والكلمة، فإن الموسيقى خدمت العرض بشكل جميل ولعبت دورا كبيرا في إضفاء الكثير عليه، وسارت متوازية تماما مع الصورة.
«فريج فلكلور» مثله مثل المسلسل «فريج» ما كان له ليرى النور، وما كان له أن يظهر بالصورة التي شاهدناه عليه، وما كان لأحلام شباب أحبوا هذا النوع من الفن أن يظهر لولا إيمان شخصيات بقدرة هؤلاء الشباب على تقديم شيء، ولولا مؤسسات عملاقة مدت يد العون، وبسطت جسور التعاون بينها وبينهم، وقدمت دعما لتمويل عرض مكلف جدا وعمل شاق وطويل لم يكن له ليكون إن لم يتمتع بموارد مالية تتطلبها صناعة هذا النوع من الفن.
إن وقفة نخيل التي كانت بمثابة الذراع المادي لفريج فلكلور، وهيئة الثقافة والفنون في دبي باعتبارها الداعم المعنوي له، كانتا الرئتين القويتين اللتين عملتا على أن يتنفس هذا العمل، ويخرج إلى الوجود قويا، يسهم في مسيرة الثقافة والفن والأدب.
