أربعون شهيدا هربوا من جحيم غزة ولجأوا إلى مدرسة تابعة لـ (الأونروا) ، ظنّا منهم أنها العاصم من حقد الإسرائيليين الذين يحصدون البشر والحجر والشجر بلا رأفة ولا أخلاق ولا أعراف تواصت بها الأمم ولا قوانين أقرّتها . وفي غمرة ارتجافهم رعبا وبردا وجوعا هبطت عليهم القنابل وفتّتت أحلامهم وأجسادهم وسوّتها في الأرض وخلطتها بتراب الوطن العزيز.
قبل أن تُمحق هذه الكوكبة من أبناء غزة بساعات كانت قافلة الشهداء قد تجاوزت الستمائة شهيد، والجرحى قرابة الثلاثة آلاف. وكانت وسائل الإعلام تلهث وراء الحقيقة المضبّبة بدخان الحرائق، ولكن أيّا منها لم يلتقط مفعول ما يقوم به أبناء غزة، ولا ما يمنحونه من جلد وصبر على الكوارث اليومية المتتالية ولا ما يقاسونه من محنة لا مثيل لها في تاريخ الحروب.
ولو لم تكن مجزرة مدرسة الأونروا ذات علاقة بالأمم المتحدة، لأضيف الأربعون شهيدا إلى قائمة الشهداء المجهولين، ونُسي أمرهم . من بين آلاف الضحايا والجرحى لم يحرّك وسائل الإعلام غير خبر مدرسة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، بحيث علق أحد المواقع الألكترونية على خبر الجريمة، بالقول : ( مدرسة الأونروا تهزم إسرائيل) . وعلق على إحدى الصور (قصف المدرسة الذي هزم إسرائيل أكثر من المقاومة) إذن أين بقية الشهداء؟ وما موقعهم من هذه الكارثة؟
حتى روبرت فيسك، كتب في مقاله الأخير في الإندبندنت : « إن إسرائيل فتحت أبواب جهنم على الفلسطينيين بقتلها أربعين لاجئا مدنيا في مدرسة تابعة للأمم المتحدة وثلاثة آخرين في مدرسة أخرى».
أفكانت أبواب جهنم مغلقة قبل شهداء الأونروا !
لقد كانت جهنم مطبقة على غزة المحاصرة والمحرومة من أدنى مستلزمات الحياة؛ لا غذاء ولا ماء ولا كهرباء ولا دواء، ولا أمان ولا أمل غير ما تتشبث به عزّة النفس وكرامتها، والصبر والجلد النادر المثال. هذه الانتقائية في التعامل مع الأحداث الكبرى من جانب وسائل إعلامنا تجعلنا نتذكر إصرار هذه الوسائل على تذييل أخبار الضحايا في بغداد كما في غزة، بعبارة ( بينهم نساء وأطفال ).
وذلك استدرارا للعطف واستثارة للمشاعر، وكأن الضحايا الآخرين من الرجال والشباب والمارّة والأبرياء لا يكفون لإثارة المشاعر والتأمل في حجم الحقيقة، والوقوف في وجه القتلة، أو كأن دماء الآخرين مغشوشة ليست كدماء النساء والأطفال . الدم هو الدم، أينما كان، وكيفما وقع، وليس لدم فضيلة على غيره.
ليس من المستبعد أن يعصف بنا الألم، ويأخذنا الانفعال والغضب عندما نكون في حل من التزاماتنا المهنية، كأن نتبادل الرأي والتعليق في ما بيننا، بعيدا عن شروط المهنة التي تقتضي الدقّة وتتوخّى الحقيقة بعيدا عن العواطف الشخصية. ولكن لا ينبغي أن ننسى مسؤوليتنا في تقديم الحقيقة كما هي، أو على الأقل، كما نراها، محايدين متجردين من عواطفنا الشخصية.
روى لي صديق هذه الحادثة: « أثناء حرب 1973 كنت مسؤولا عن القسم الفني في إحدى صحف بغداد، وكان مسؤول تغطية أخبار الحرب يريد أن يضخّم واقع ما يجري في الجبهة لصالح العرب من خلال إظهار تفوّقهم في المعركة ببيان ذلك على الخريطة . فما كان منّي غير أن أرسم الخريطة وأضع عليها نقاطا صغيرة تبيّن مواقع المواجهات، ولكن ذلك لم يُرض المسؤول الذي طلب تكبير النقاط بحيث أوشكت أن تغمر وجه الخريطة، وتوحي بأن إسرائيل قد اجتيحت إلا قليلا.
وكان ذلك موضع ابتهاج المسؤول الحربي، وموضع ندم مازلت أحمله إلى اليوم لأنني ساهمت في هذه المغالطة ». ورغم مرور 36 سنة على الحرب الخاسرة، ورغم تطور الصحافة العربية ووسائل إنتاجها، وتوالي الكوارث واتساع الخسائر التي غُيّبت عنا، وصُوّرت لنا كانتصارات؛ ظلت العاطفة أو المصلحة، تسوق الكثير من المحررين إلى مغالطات خارج أخلاق المهنة، وبعيدا عن الحقيقة . ( قصف المدرسة الذي هزم إسرائيل أكثر من المقاومة )!
والواقع أن بحثنا عن الحقيقة في زحمة الأخبار والتصريحات المتلاطمة، والاتهامات والاتهامات المضادة التي تحفل بها الأخبار، يُثقل على النفس ويُرهق الأعصاب، خصوصا عندما يتسرّب إلينا الشك في ما نقرأ ونسمع ونرى، ويتضبّب واقع الأمور، وتغيم معالم الطريق . وهنا لا بد لنا من الولوج إلى الأبواب الخلفية لالتقاط الأخبار من مصادر ( مطلعة ) نذيّلها بعبارة ( طلب عدم ذكر اسمه). ولكن مدرسة الأونروا كانت فصيحة وصريحة مثلها مثل شهداء غزة الأبرار ، ودماؤها مثل دمائهم، لا غش فيها ولا تفاضل.
كاتب عراقي