إذا ما تعلق الأمر بالأهداف الإسرائيلية، علينا التفكير دوما بالأهداف البعيدة المدى، وأكبر خطأ يمكن أن يرتكبه المراقب وكل من يحاول الفهم، هو الدخول في النقاش المرحلي والآني والغرق في تفاصيله وإغفال أن هذا المرحلي والتفصيلي مرتبط دوما بهدف أبعد غير منظور وغير مطروح للنقاش أو الأحاديث وثرثرة الفضائيات.
منذ العام 1994 وقبله أيضا، فإن الهدف البعيد والاستراتيجي لإسرائيل هو القضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية. منذ 1994، أصبحت إمكانية قيام الدولة أكثر واقعية، لهذا أصبح هذا الهدف (منع قيام الدولة) هو الغاية الاستراتيجية الوحيدة والهدف الوحيد الذي تبنى عليه كل السياسات الإسرائيلية أيا كانت المرحلة والتفاصيل والحكومات التي تقود إسرائيل وأيا كان من يقود الفلسطينيين. بل إنني أقول إن هذا أصبح مهمة تاريخية لكل سياسيي إسرائيل وجنرالاتها الساديين.
قلنا هذا مئات المرات ومنذ سنوات عديدة، وعدنا لتكراره منذ أن بدأت ملامح الانقسام في الساحة الفلسطينية. لكن ضيق الأفق للأسف والغرق المتوالي في المشاحنات الحزبية الصغيرة راح يعمي أنظار الفرقاء الفلسطينيين يوما بعد آخر عن النظر بعيدا وإدراك هذا الهدف الإسرائيلي البعيد المدى والتاريخي.
الهدف الإسرائيلي لا يتعلق بـ «الأشخاص» بل بـ «الفكرة»، فكرة نمو أسس دولة فلسطينية بغض النظر عمن يقودها (الأشخاص، المنظمات). اما في المعسكر الفلسطيني، فإن عقلية و«ذهنية التشخيص» غيبت الفكرة (هدف إسرائيل) تماما وراح الفرقاء الفلسطينيون يغرقون يوما بعد آخر وبعناد عز مثيله في مشاحناتهم وحروب النفوذ والمواقع ومن الأجدر بالقيادة، إلى أن تم اختزال الماضي والحاضر والمستقبل في صراع وهمي شديد الاختزال: مع المفاوضات أم مع المقاومة؟.
يطرح هذا الاختزال المهين للعقل وكأن كلا الخيارين متناقضان، إنهما متلازمان لكن هذا الاختزال المهين للعقل والذكاء هو من ذلك النوع الذي اعتدنا عليه: مريح للذهن تنتجه عقلية رواد مجالس لا تميل للبحث والتفكير المعمق والدراسة في صراع هو صراع وجود.
كيف تمنع إسرائيل وتحارب إمكانية قيام دولة فلسطينية؟
بعيدا عن الغوص في استقراء التاريخ بتفاصيله لدينا نموذجان: اجتياح الضفة في 2002 واجتياح غزة في 2008/2009. ما العبرة في الاجتياحين؟
في الحرب الأولى، شنت إسرائيل الحرب على السلطة الفلسطينية بنفس الحجج التي تسوقها الآن لتبرير اجتياحها لغزة: العمليات العسكرية الفلسطينية، سواء أكانت العمليات الاستشهادية او تاليا إطلاق الصواريخ. ما الفارق بالنسبة للإسرائيليين؟ لا فارق أبدا والهدف النهائي واضح: ضرب مقومات الدولة الفلسطينية. جرى ذلك في ظل سلطة عرفات و«فتح» والآن في ظل سلطة «حماس» في غزة.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد الحرب على غزة؟ ما هي الأهداف السياسية التي تسعى إسرائيل إليها من هذا الاجتياح؟
حسب العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني فهي «مؤامرة تهدد الشعب الفلسطيني وعلى مستقبله». (العاهل الأردني يحذر من مؤامرة تهدد الشعب الفلسطيني ? وكالة فرانس برس، 6 يناير2009).
وحسب الملك متحدثا لوفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين «ما يضايقنا هو الذي سيحصل ما بعد غزة، فأنا أرى أن هناك مؤامرة على الشعب الفلسطيني وعلى مستقبل فلسطين». الملك يشدد في لقائه مع الوفد على «ضرورة تكاتف كل الجهود من أجل حماية الشعب الفلسطيني من العدوان والمؤامرة التي تستهدف مستقبله وحقه في إقامة الدولة الفلسطينية».
لقد كرر الملك في هذه التصريحات المقتضبة مفردة «المؤامرة» ثلاث مرات، وبالنسبة له فإن مستقبل الدولة الفلسطينية هو جوهر المؤامرة. وهذا هو جون بولتون سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة يطرح الهدف الإسرائيلي بوضوح شديد على وقع القذائف الإسرائيلية وأشلاء الضحايا الفلسطينيين في مقال له في صحيفة «واشنطن بوست» قبل يوم واحد من تصريح الملك عبدالله المشار اليه آنفا.
يقول بولتون في مقاله «إن أي حل قائم على على دولتين على أساس السلطة ولد ميتا» مضيفا «حماس قضت على هذه الفكرة» و«إن إرهابيين يتلقون تمويلا وإمدادات من إيران يسيطرون على قطاع غزة، في حين أن السلطة الفلسطينية هزمت بشكل لا رجوع عنه على الأرجح». (جون بولتون: خيار الدول الثلاث ? واشنطن بوست، 5 يناير2009).
يخلص بولتون في مقاله ذاك الى القول عوضا عن ذلك، ينبغي التفكير في مقاربة على أساس (ثلاث دول) يوضع بموجبها قطاع غزة تحت سيطرة مصر فيما تعود الضفة الغربية وفق صيغة معينة تحت السيادة الأردنية. وبالتأكيد فإن كل هذا حسب بولتون وسيلة فعلية لتوسيع بقعة السلام ولبناء حكومات تضمن السلام والاستقرار في بلدانها. أي بعبارة أخرى: الى الجحيم بالدولة الفلسطينية المستقلة.
بولتون الآن لا يعبر عن رأي رسمي مثلما سيقال استدراكا للعهر الفاضح التي ينطق به مقاله، فهو باحث، لكن من يمكن ان يحاجج أن هذا الرأي ليس هو ما يفكر فيه قادة إسرائيل؟ من يمكن ان يحاجج بان هذا ليس ما عمل من أجله ساسة إسرائيل في الماضي والحاضر ويتركون أمر ترويجه لأنصارهم في أميركا؟
إن كنا سنحصي ونشرح ما يريده الأعداء، فان الشرح والنقاش سيطول، لكننا دوما نغفل عن مسؤوليتنا الذاتية، هذه المسؤولية المغيبة دوما. تغييب لا يفعل سوى إعطاء العدو الذرائع والمبررات لمواصلة حربه تحقيقا لأهدافه النهائية (منع قيام الدولة).
من سيملك وقتا للحجاج الآن: لقد أوصل الاحتراب الفلسطيني النضال الفلسطيني برمته الى لحظة ضعف غير مسبوقة تاريخيا، وهو الوضع الذي قذف بسؤال لم يكترث له أحد من الفرقاء منذ اليوم الأول بل راحوا يغرقون أكثر في مشاحناتهم، سؤال يقول: هل يساند العالم شعبا منقسما؟
كاتب وصحافي بحريني