أزمة الغاز التي تسببت فيها أوكرانيا في الأيام الماضية، والتي أدت إلى قطع إمداد الغاز الروسي إلى عدة بلدان أوروبية، هي في حد ذاتها أزمة سياسية أكثر منها خلافات تجارية ومالية بين روسيا وأوكرانيا.

فالنظام الحاكم في أوكرانيا المتسبب في الأزمة كان يلعب مع روسيا لعبة «العض على الأصابع» حيث يعلم الرئيس الأوكراني يوشينكو تماما أن بلاده أوكرانيا لا تستطيع البقاء لفترة أكثر من شهر على الأكثر بدون إمدادات الغاز الروسي.

لكنه لم يفكر في مصالح شعبه بقدر ما شغل نفسه بقضية أخرى شخصية، وهي قضية عدائه لروسيا وتكليفه من واشنطن وجهات غربية بتشويه سمعة روسيا، وخاصة لدى الأوروبيين، فلا شك أن واشنطن يقلقها ويزعجها كثيرا اعتماد أوروبا على روسيا في مصادر الطاقة.

لأن هذا في حد ذاته يسحب البساط من تحت أقدام الولايات المتحدة في أوروبا، ويفتح المجال لزيادة النفوذ الروسي في هذه القارة المحورية في العالم، وقد بدا واضحا لواشنطن في الآونة الأخيرة أن الأوروبيين أنفسهم باتوا لا يرغبون في الشراكة الأطلسية معها، وباتوا يتوجهون إلى روسيا واحدا تلو الآخر.

وبدا هذا واضحا في مواقف الأوروبيين من الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي، حيث بذلت واشنطن جهودا كبيرة لحمل الأوروبيين على إدانة موقف روسيا ودخول القوات الروسية الأراضي الجورجية، وطالبت واشنطن الأوروبيين بمقاطعة روسيا ووقف الحوارات معها، ولكن باءت كل محاولات واشنطن بالفشل.

أوكرانيا أيضاً مستاءة كثيرا من موقف الأوروبيين، وخاصة رفضهم انضمام أوكرانيا وجورجيا لحلف شمال الأطلسي رغم الدعم الأميركي الكامل للبلدين وإلحاح واشنطن على الأوروبيين لقبول انضمامهما لحلف الناتو، ولكن الأوروبيين رفضوا ذلك تماما لأن هذا سوف يؤثر على العلاقات مع روسيا.

من هنا تيقن النظام الأوكراني الحاكم بأن علاقات روسيا بأوروبا ستحول تماما دون انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، من هنا بات التخطيط المشترك بين أوكرانيا وواشنطن على السعي لإفساد العلاقات بين روسيا والأوروبيين، ومن هنا كان إصرار الرئيس يوشينكو على رفض كل المحاولات لتسوية الخلافات مع روسيا حول إمدادات الغاز وديون أوكرانيا لروسيا المقدرة بنحو مليار ونصف مليار دولار عن الغاز.

كما رفض يوشينكو السعر الجديد الذي حددته موسكو لبيع الغاز لأوكرانيا وهو مئتين وخمسين دولارا للألف متر مكعب، وأصر يوشينكو على ألا يزيد السعر على مئتي دولار، هذا رغم اعتراض الأوروبيين أنفسهم على هذا السعر لأنهم يحصلون على الغاز الروسي بسعر خمسمئة دولار للألف متر مكعب، ويتساءلون «لماذا تحصل أوكرانيا على الغاز بسعر أقل ؟».

لقد حذرت روسيا أوكرانيا بأنها سوف توقف إمدادها بالغاز ابتداء من أول يناير الجاري إذا لم تسدد ديونها وتوافق على السعر الجديد للغاز، ومع إصرار أوكرانيا على موقفها نفذت روسيا تحذيرها وأوقفت ضخ الغاز لأوكرانيا في الموعد المحدد، إلا أن روسيا اكتشفت أن أوكرانيا تقوم بسرقة الغاز من الأنابيب التي تنقله إلى أوروبا.

فقررت روسيا تقليص إمداد أوروبا بالغاز عبر الخط الذي يمر بأوكرانيا بمقدار الثلثين، الأمر الذي أدى إلى قطع إمدادات الغاز عن عدة بلدان أوروبية، وهذا ما كانت تطمح له أوكرانيا، وهو أن يعلم الأوروبيون أن التعامل مع روسيا محفوف بالمخاطر وأن الاعتماد عليها كمصدر للطاقة يشكل تهديدا لأوروبا.

الرئيس الأوكراني يوشينكو يعتقد أنه نجح في خطته التي كلفته بها واشنطن، ولكن ردود الأفعال الأوروبية تعكس خلاف ذلك، خاصة في مطالبة الأوروبيين لروسيا بألا تبيع الغاز لأوكرانيا بأقل من السعر العالمي، كما أن الأوروبيين لم يطالبوا روسيا بشيء، بل طالبوا أوكرانيا بعدم المساس بخط إمداد الغاز الروسي لأوروبا، وهذا يعني أن خطة يوشينكو انقلبت عليه، ومن المؤكد أنها ستعجل بإسقاط نظامه في أوكرانيا قريبا.

خبيرة روسية في الطاقة