على هستيريا القنابل العنقودية والانشطارية، كانت عقلية الفتك وغريزة الإبادة، توجّه تحت جنح الظلام إلى خاصرة الحق المشروع طعنة غادرة وهو يحتضن أبناءه ويغمض جفنيه حالما بعام هجري مختلف ليس فيه شيء من ألوان الحصار والتجويع والاستنزاف والتجديف ضد التيار في مضائق السياسة؛ وعندما كان نصل الخديعة يفترس أحشاءه، كان نداء الصلاة يسافر كالسهم الغاضب مع أول خيط للفجر، وكان الشهداء يحيكون من فوق الغيم أكفان القتلة.
هل هذا قدر محتوم، أم محض مصادفة أن تظل «غزة» على مَرّ التاريخ رقماً صعباً رغم موقعها في ممر جحافل الغزاة، وأن تكون رمحاً متمرداً «يغزّ» الطغاة في أوداج ضمائرهم المتبلدة إلى حد الموت؛ وأن تظل بستان صمود لا تقتلع حبات زيتونه من أثداء أمهاتها أقوى عاصفة أو أبشع إعصار، وأن تظل ثورة غضب تستل من دموع الثكالى سهام الردى التي لا تخطئ أفئدة الأعداء، وأن تظل عريناً لإباءٍ طاف الأرض العربية من خليجها إلى محيطها فلم يرتض بالسكنى إلا في أحداقها، وأن تظل «غزة» مع ذلك أسطورة حالمة تناجي البحر وتحكي له بطولات أبنائها الذين مضوا نحو وطن الشموس على صهوات الشهادة.
عندما بدأت «غزة» تستجمع أشلاء أطفالها الرجال بوجوههم الباسمة كوجوه الملائكة، كانت أرتال الأطفال الأشداء تعرّي صدورها للموت الذي لا يخيف إلا الجبناء والأرانب المخملية الراكنة إلى حياة الليل هرباً من شعاع النهار الذي يهتك أسرارها المخجلة إلى درجة الفضيحة، وكان أنين الجرحى يسري في عروق الأبطال كحمم البراكين، وكان غبار أنقاض المساجد المتسامي إلى عنان السماء ويمسك بخناق دخان الحقد الإسرائيلي المنحط إلى قعر الإفلاس من أبسط معاني الإنسانية والأخلاق، وكانت الأرض المباركة تشم مسك دماء أبنائها وتحتضن جثامينهم التي تجرعت الموت وهي لم تذق طعم الزاد لعدة أيام.
كان عاراً أن تحتفل «غزة» بعرس بطولتها على أزيز الرصاص وعواء القنابل، وأن تقف مكشوفة النحر لهمجية النار وعربدة الانتقام لتخط ملاحم البطولة، بينما حانات الليل وصالات الميسر من حولها سادرة في لغطها ولهوها، صاخبة حتى الفجر على رنين الكؤوس ونعيق بائعات الهوى وحفيف ورق البنكنوت؛
وبينما الأسلحة الإسرائيلية المحرمة تمزق أوصال الأمل وتزهق أنفاس الفرح، كانت ألسنة الأرانب المخملية المحتمية بأوراق التوت وبأحذية «الأصدقاء» تتمتم بالشكر لأن «غزة» هي التي كانت على طريق الموت فلم يقتحم عليها مخادعها الوثيرة؛ ولكن الوقت سيكون متأخراً عندما تبزغ شمس الحقيقة وتدرك حينها أن الموت لو لم يجد «غزة» سيفاً في حلقه،
ولو لم يجد جياد التضحية بانتظاره مسرجة في ساحة الفداء، لتجرعت نفس المصير، وأن الذين نُقش على جبينهم شرف الشهادة في «غزة»، ليسوا أكثر عدداً من المخمورين الذين يموتون كالجيف في حوادث المركبات وفي جرائم السطو وتعاطي المخدرات.
وبينما أفئدة الأمهات في «غزة» تتقاطر دماً وعطراً على أشلاء أطفالهم المتمزقة تحت الأنقاض، كان ريش حمامات السلام التي علّق العرب عليها كل آمال السلام يتطاير في الهواء، وكان الحبر الذي زُوّرت به اتفاقيات السلام يتبخر كالوهم مع ذلك السلام السرابي، وكانت الكلاب الأميركية والأوروبية التي اعتادت النباح كلما فقأ طفل فلسطيني عين مغتصب صهيوني، تعاني من العمى والصمم والبكم، فلم ترَ مشاهد الموت والتنكيل في «غزة»،
ولم تسمع أنين الضحايا، بل مرت المشاهد أمام تلك القلوب الميتة والمتحجرة في أروقة السياسة الأميركية والأوروبية دون أن تذرف عليها دمعة حزن واحدة؛ إنها نفس القلوب الدراكولية التي ولغت منذ حروبها الصليبية وإلى اليوم من دماء المسلمين في بلاد الشام وفي مصر وفي الجزائر، وفي بلاد الشيشان والبوسنة والهرسك ولم ترتو بعد.
في عصر العولمة المنفطم من أثداء القطب الأوحد، يصبح أمن الجلاد وسلامة السفاح أثقل في ميزان الحيف والجور الأميركي والأوروبي من أمن الضحية، ويصبح حق القاتل في إراقة الدماء وإحراق الأشجار وهدم المدارس أكثر شرعية من حق المقتول في الدفاع عن نفسه؛ لأن الدم اليهودي المتشحم من أموال دافع الضريبة الأميركي كان أكثر إثارة للشفقة وللمساندة بكل صنوف أسلحة الدمار الشامل وبالمواقف السياسية وبالفيتو الملعون، من الدم الفلسطيني الذي اعتاد المبيت على الطوى.
كم كان مخطئاً عندما وقف ياسر عرفات قبل نيّف وثلاثين عاماً على منبر هيئة الأمم، مدشّناً لعهد الاستسلام للغاصب، وليقول قولته الشهيرة: «لقد جئتكم وفي يدي اليمنى أحمل غصن الزيتون، وفي يدي اليسرى أحمل البندقية..»، فقد كان أجدر به أن يحمل في كلتا يديه بندقية، لأن السلام لا يدنو إلا من البنادق التي تتدلى من فوهاتها أغصان الزيتون؛
ولهذا فإن بندقية عرفات لم تلبث إلا سنوات قلائل حتى سقطت؛ وهكذا بقي غصن الزيتون يتيماً يهذي بأوهام السلام وأحلام اليقظة، وكان أكثر المتفائلين يساوم على بقاء الغصن أخضر يانعاً أو ربما جافاً، ولكن ليس متفحماً بنار الحقد الإسرائيلي التي لن تنطفئ ولن تهدأ حتى تقيم دولة إسرائيل أركان هيكلها المزعوم.
وبينما سيناريو الكراهية في محرقة الإنسانية والأخلاق هذه يعيد بلا ملل ولا تحوير نفس مشاهد الجريمة التي اقترفها في دير ياسين وفي بحر البقر وفي صبرا وشاتيلا وفي قانا، ويلطخ يديه بنفس التهمة ونفس الجريمة، في هذه الأثناء لم تكن «غزة» تنتظر النصرة ممن يكتفون بسكب دُميعاتهم وأحزانهم على أطفالها ، ولا ممن يرفعون أكفهم بالضراعة ويتناسون أن النصر لا يأتي على أجنحة الأمنيات والظنون الحسنة؛
إن «غزة» تريد النصرة ممن استفزتهم المجازر وحدائق الموت لأن يهدموا معابد الطواغيت في ضمائرهم، ولأن يرمموا تصدعاتهم الفكرية والنفسية والثقافية في عقولهم، ولأن يزيلوا الصدأ عن ثوابتهم التي أهملوها وهجروها إلى قمامات الليبرالية الغربية وسراديب الذاكرة المفقودة، ولأن يعيدوا هندسة خرائطهم السلوكية الباحثة عن حقوقها وليس عن واجباتها، وعن الحصاد وليس عن العمل والعرق والدموع.
بهذه الحرب القذرة واللاأخلاقية التي تحمل نفس سمات الحرب على أفغانستان والعراق، تكون إسرائيل قد بصقت على كل اتفاقيات السلام الزائف، وتكون قد بصقت في وجوه المتغنين بشعارات التطبيع، وأيضاً في وجوه أولئك الذين لا يريدون أن يفهموا والذين لا يقرأون التاريخ ، وهي تسقط أمام سمعهم وبصرهم كل الأقنعة وكل الملابس التنكرية لتعطيهم دليلاً مادياً دامغاً على أن خرافة السلام التي ظلوا يهذون بها خلال العقود الثلاثة الماضية قد آن أوان كشف أوراقها بأنياب القوة المتغطرسة ومخالب العنصرية،
وأن تبدأ مراسم الحفل الختامي لحصاد تلك المهزلة التي انتهت وظيفتها بعدما مُرّرت من تحت إبطها كل المصائب والنكبات التي عانت الأمة من ويلاتها وعلقمها، وأيضاً لتدشين عصر جديد، يعيد فيه أحفاد إسحاق رسم خارطته الجغرافية والسياسية والعقائدية والاقتصادية والعرقية، في شرق أوسط جديد ليس لأحفاد إسماعيل فيه من الحقوق إلا ما للبهائم في زرائبها.
كاتب إماراتي