لا كلام سوى عن غزّة. ولا تفكير سوى بغزّة. ولا حول ولا قوّة حيال ما يجري في غزّة. الضحايا بالمئات... وعددهم يتزايد بين بداية كتابة جملة ونهايتها.
«الرصاص المسكوب»، هذا هو الاسم الذي اختارته إسرائيل لعمليتها القاتلة وحددت هدفها بوضع حد للصواريخ المنطلقة باتجاهها من غزّة وتكسير العمود الفقري للمقاومة. وفي الحقيقة هذا «التكسير» هو الهدف الجوهري للحرب الإسرائيلية. بعض المعلّقين الغربيين يذهبون إلى حد القول أن إسرائيل «تقوم بمهمة تخليص العالم كله من حماس».
من حق أي إنسان أن يختلف مع حماس في الأيديولوجيات من موقع أيديولوجي آخر. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنها قد فازت ديمقراطيا في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. «العالم الحر» وإسرائيل رفضوا عمليا نتائج صناديق الاقتراع فكان الشرخ ثم حصار غزّة التي غدت كسجن مفتوح.
بالتوازي ومنذ مؤتمر مدريد عام 1992 واتفاقيات أوسلو لم يتم تحقيق التقدّم خطوة واحدة باتجاه السلام وقيام الدولة الفلسطينية المستقلّة، بل على العكس تابعت واشنطن و«العالم الحر» سياسة المثقالين والمعيارين وتابعت إسرائيل نهجها العدواني.
الإسرائيليون والداعمون لهم ذاكرتهم قصيرة جدا. ففي عام 2006 ؟وقبل أيام من الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان وعلى لبنان التي أوقعت مئات الضحايا من المدنيين، قالت غوندوليزا رايس ما مفاده أن المقاومة اللبنانية على مشارف الزوال من المشهد السياسي الشرق أوسطي. والنتيجة معروفة.
وقبل ذلك. في عام 1996 قامت إسرائيل بعملية «عناقيد الغضب» وارتكبت أثناءها مجزرة قانا الرهيبة. ولم تستطع إثر ذلك أن تعزز وجودها. بل على العكس وجدت نفسها مرغمة على الجلاء عن جنوب لبنان أمام ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية. وقبل، وقبل... سلسلة طويلة من الحروب والاعتداءات والاغتيالات على مدى عقود من الزمن. ولم يؤد هذا المنطق من الاعتقاد بإمكانية حل المشاكل كلها باستخدام القوة سوى إلى الفشل.
الشريك الأساسي قي هذا الفشل هو أولا وأساسا الولايات المتحدة الأميركية التي أظهرت باستمرار دعما غير مشروط لإسرائيل ودون معرفة ما الذي كسبته حقيقة من هذه الشراكة الإستراتيجية. وانتهجت واشنطن نفس منطق القوّة فكانت المغامرة العراقية المأساوية بالنسبة للشعب العراقي، ولكن أيضا بالنسبة لصورة الولايات المتحدة ولمكانتها في العالم.
ونفس الدعم الأميركي لإسرائيل في حربها العدوانية الدائرة على غزّة. ولم يتردد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في القول انه من «حق إسرائيل التخلّص من التهديد الذي يتهددها». لكنه لم ينس أن يوصيها بـ «تجنب قتل المدنيين»، وكأنه يجهل أبسط معطيات الجغرافيا والواقع السياسي في غزّة. إنه يتجاهلها «بكل الأحوال» إذا كان يعرفها.
وطيلة العقود الأخيرة دعم «العالم الحر» الأوروبي عامة إسرائيل وصولا إلى اتخاذ رئاسة الاتحاد الأوروبي «التشيكية» موقفا «سبّاقا» اعتبرت فيه العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزّة أنه «عمل دفاعي».
المواقف الأوروبية الرسمية الأخرى صبّت عمليا في المطالبة بوقف إطلاق النار، ولو بصبغة «هدنة مؤقتة»، مع الإشارة إلى مسؤولية المقاومة فيما يتعرّض له الفلسطينيون في غزّة. هذا منطق «أعرج» عبر النظر إلى الأمر وكأن هناك مواجهة بين قوتين عسكريتين متكافئتين.
الكاتب والصحافي اليهودي الفرنسي ميشيل وارشوفسكي المنادي بموقف عادل حيال الفلسطينيين ـ في مواجهة جحافل من اليهود نزلوا إلى شوارع باريس لتأييد الحرب الإسرائيلية على غزّة ـ وصف أصحاب موقف المساواة بين القاتل والضحية بالقول: «مَن يُدين الطرفين هو أسوأ من القتلة».
للتذكير كان الأوروبيون هم الذين «اخترعوا» مفهوم «التدخل الإنساني» أثناء حرب بيافرا في إفريقيا (1967 ـ 1970 ). على أساس أن تلك الحرب أدّت إلى تجويع السكان من المدنيين وباسم أخلاق ترفض «ترك الأبرياء يموتون»..
والأوروبيون هم الذين نظّروا لهذا المفهوم، وعلى رأسهم برنار كوشنر، وزير الخارجية الفرنسي الحالي. وهم الذين شرّعوا لـ «حق التدخل الإنساني» ثمّ تعدّوه إلى «واجب التدخل الإنساني»، بل والتأكيد أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة «لا تملك حق اللامبالاة».
فأين غزّة وما يجري في غزّة من هذه المفاهيم والمعايير «الإنسانية» التي عبأت أكثر من مرّة «العالم الحر»؟
تسيبي لفني، وزيرة خارجية إسرائيل، قالت بالفم الملآن في باريس قبل أيام «إن إسرائيل تجد نفسها على خط الجبهة الأول للعالم الحر وتتعرّض للهجوم كون أنها تمثل قيم العالم الحر الذي تنتمي له فرنسا».
لكن عن أية قيم تتحدّث؟!.
لعلّها أرادت الإشارة إلى أن إسرائيل، وعلى خلفية «واجبها الإنساني»، قامت بفرض الحصار على شعب بأكمله لأشهر طويلة قبل دكّه جوا وبحرا وبرّا بأطنان من القنابل. ووصفت هي نفسها ذلك بالقول: «إننا سوف نحافظ على الوضع الإنساني في غزّة كما ينبغي أن يكون عليه».
«العالم الحر» يكتفي بالنظر إلى الاتجاه الآخر مع محاولة القيام ببعض المبادرات الدبلوماسية. لكن أمام ما يجري في غزّة كلّ مبادرة لا تضغط حقيقة من أجل وقف إطلاق النار قد يمكن تصنيفها في خانة «رفع العتب» و«حسابات المصالح».
ورغم ما تلقاه إسرائيل من دعم أميركي صريح ومن «تواطؤ مبطّن» أو «تواطؤ صامت» وأنها هي الأقوى على الورق ، هل يمكنها أن تنتصر؟
باختصار لا يستطيع أي جيش مهما كانت قوته أن ينتصر على مليون ونصف المليون من البشر تربّوا على إرادة المقاومة ويعيشون على مساحة صغيرة مثل قطاع غزّة،هكذا تقول دروس التاريخ. والتاريخ لا يكذب. قد تقتل إسرائيل الآلاف وقد تجعل من غزّة هيروشيما جديدة.لكنها بالتأكيد لا تعزز بذلك أمنها مستقبلا، بل لعلّ العكس هو الصحيح.
وذات يوم ستعرف إسرائيل «خوف الغزاة من الذكريات» كما يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش في قصيدته «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
كاتب سوري ـ باريس
