في كل حرب أو صراع مسلح يأخذ وضعه في المنطقة العربية تتغير تبعا لذلك مواقع ما يسمى بالدول الإقليمية العربية المحورية. وقد تختفي دول ويأتي غيرها. ورغم أن المساحة الجغرافية والثقل السكاني والثروة الاقتصادية والقوة العسكرية والتقنية كلها عناصر مهمة في تحديد قوة الدولة من ضعفها الإقليمي، إلا أنها متغيرات تتغير بتحرك آلة الحرب ومداها وطبيعتها في المنطقة العربية..
فحرب فلسطين الأولى وحرب قناة السويس قد أعطت لدول مواقع مؤثرة في الساحة العربية مقابل الأخرى غير المؤثرة كما أنها أشعلت أطروحات وخطابا سياسيا مغايرا للحقبة السابقة له.
ورغم أن الدول في هذه الحروب والنزاعات المسلحة تدخل في تحالفات علنية أو مستترة إلا أنها تبقى تحالفات تنسج في ضوء حسابات الربح والخسارة لهذه الدول. وهي حسابات قد تخطيء وقد تصيب وفي كلتا حالتيها فإنها قد تعلي شأن دول وتطيح بأخرى، سواء أكان ذلك في علاقتها بالداخل أو الخارج. ولربما قد تأتي تفاعلات الخارج في الكثير من البلاد العربية على حساب الداخل، انطلاقاً من أن الداخل لا يفقه في السياسات إلا في شعاراتها الانفعالية غير المربحة.
وإذا ما كانت حرب تحرير الكويت قد أعادت لمصر بعضا من دورها المحوري في المنطقة العربية كما هي قد أدخلت سوريا ضمن تحالف ثلاثي ضم مصر وسوريا والخليج، سمي لبعض الوقت بدول إعلان دمشق. فإن «حرب أميركا على الإرهاب».
وبعد ذلك حرب أميركا لإسقاط نظام طالبان والقاعدة في عام 2001وحربها لإسقاط صدام حسين في العراق في عام 2003، قد خلخل من هذا التحالف وأشعل حروبا داخلية جديدة في المنطقة العربية زادت وتيرتها مع حرب إسرائيل على لبنان في صيف عام 2006، وهي حالة قد أشعلت من حروب المذاهب والطوائف العربية من جانب وحروب أنظمة عربية ضد جماعات إسلامية من جانب آخر، وظفت بعضا من الدول العربية ورموزها الدينية المسماة بوسطية الطرح بعضا من مقولاتها.
وهي حروب قد أخرجت سوريا من تحالف إعلان دمشق وأدخلت الأردن عوضا عنها، كما هي حروب قد أخرجت بعضا من الدول الخليجية من حسبة التأثير الخليجي لتقاربات سياسية جديدة بدت شاملة لأطراف خليجية وعربية وأوروبية في مقابل ما سمي «بتحالف المعتدلين العرب» وهو تحالف تصيبه الكثير من سهام النقد اللاذعة في كل حرب تشنها إسرائيل على أطراف عربية معينة.
بل انه تحالف ولكونه يعرف بقربه من الولايات المتحدة الأميركية، فإن عجزه عن لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية وبطشها، من خلال علاقاته المميزة بأميركا، يحرك الشارع المحلي والعربي من تحته ويعقد من علاقته بمجتمعه المحلي والعربي.
وأعتقد أن حرب إسرائيل على غزة قد حركت المشاعر العربية والإسلامية بصورة أكبر لربما من حرب إسرائيل على لبنان لأسباب نعرفها جميعاً، وهي حرب كما الحروب السابقة قد عززت من حقيقة عجز المنظومة العربية الموسومة بالمعتدلة أو قوى الممانعة العربية عن التحرك السريع لوقف أو مواجهة حالة الفتك الإسرائيلي بغزة.
وهي حالة قد تزيد من حالة الإحباط السياسي الداخلي وتعمق من مأزق الشرعية السياسية عند البعض، وقد تقلصه عند البعض الآخر. هذا إذا ما عرفنا أن جزءاً من الشرعية السياسية لدى الكثير من الأنظمة العربية مازال قائماً في جزء منه على الموقف من إسرائيل ولربما مقارعتها.
وهي حالة تكشف مرة أخرى عن محورية القضية الفلسطينية في تحقيق الاستقرار السياسي في المنطقة العربية، كما هي تكشف عن سقوط أطروحات ومقولات كثيرة.إلا أنه لا يذهب حقيقة أن إسرائيل ونتيجة لحروبها المتكررة وعجزها عن الوصول إلى سلام يعطي الفلسطينيين حقوقهم، ستبقى تمثل محور الصراع مع العرب والمسلمين.
وإن الانتقال في صراعات العرب الداخلية ومع بعض من القوى الإقليمية، لن يغير من حقيقة أنها في تلكؤها نحو إعطاء الفلسطينيين حقوقهم في دولة مستقلة وكريمة ستمثل احد أهم بؤر التوتر في المنطقة كما يمثل الصراع معها أحد أهم عناصر الشرعية السياسية العربية.
ومرة أخرى فإن حروب السنوات السبع الأخيرة قد عززت من حالة الانكشاف السياسي العربي، كما أنها حالة برزت فيها المنظومة العربية أو بعضها غير قادر على ملء فراغاته أو ملئها بالطريقة التي لا تجلب لمواقعها الكثير من الاختلال. كما أنها حالة ونتيجة لحالة العجز وقلة الحيلة قد أبرزت إسرائيل وقوى أخرى إقليمية كأهم الدول المحورية وذات المبادأة والمبادرة بأنواعها وأشكالها في المنطقة العربية.
بل أنها قد أبرزت قوى إقليمية غير عربية وكأنها أكثر حماسة وغِيرَة على الشأن السياسي العربي من بعض من الأطراف العربية. وهي حالة لا يمكن أن تملأ بطنطنة إعلامية أو بشحن للهواجس والمخاوف الماقبل الحداثية وفي التفجير أو النفخ في الهويات الما قبل الحداثية أو في التضامنيات التقليدية.
إنها حالة لا يمكن حلها إلا بتخلي إسرائيل عن نهمها العسكري في علاج القضية السياسية أو بقفزها على جوهر القضية ومحوريتها. كما أنها حالة لا يمكن تجاوزها بتراخ سياسي عربي في الموقف من إسرائيل أو في الخضوع المطلق لرغبة الأطراف الدولية القادرة على لجم جموحها ومغامراتها العسكرية.
كاتب بحريني