المشهد مفجع ومريع. الوحش الإسرائيلي يفترس أطفال غزة، بالجملة. آلته العسكرية الغاشمة، تنحرهم، حتى في المدارس. لجأوا إليها، هرباً من نيرانه، التي تفتك بأهالي القطاع منذ أكثر من عشرة أيام.

حسبوا أن للمكان حرمته، وأن لعلم الأمم المتحدة المرفوع فوقه؛ حصانة تضمن حمايتهم. فاتهم أن الذئب الكاسر لا يرتوي ولا يرعوي. مدفعيته حصدت، فقط في إحداها، 42 شهيداً. غالبيتهم من الصغار والنساء. وجرياً على نفاقه، زعم أنه كان يردّ على نيران استهدفته؛ من تلك المدارس.

ارتكب جريمته ببرودة أعصاب، وسارع بصفاقته المعروفة، إلى تلفيق تبريرها. نسي أنها ليست الوجبة الدموية الأولى من هذا النوع؛ خلال حرب الإبادة التي يشنّها على غزة.

حوالي ربع الشهداء الستمئة تقريباً، الذين سقطوا؛ كانوا من الأطفال والنساء. وبكل حال ليست هي المرة الأولى التي يستهدف فيها هذه الشريحة من السكان. في حروبه العدوانية السابقة كان له مآسٍ سوداء كثيرة، من هذا النوع. قائمة مجازره طويلة. الفضيحة أنها كانت تمرّ، مرة تلو الأخرى، بكذبتين كبيرتين، أتقنت إسرائيل تسويقهما: ان مثل هذه الحوادث، تقع في كل الحروب. وثانياً أن الجانب الفلسطيني أو العربي؛ كان، دوماً، هو المسؤول عن إشعال نار الحرب.

التهاون الدولي مع جرائمها واعتداءاتها، أعطاها ما يشبه إجازة مرور لتكرار فظائعها؛ التي تنتهك كافة القوانين والأعراف والمواثيق، الدولية. ما مرة واجهت المساءلة. ولم يسبق أن جرى تدفيعها الثمن. أو في أقله إنذارها بعدم تكرار تجاوزاتها الفاقعة.

تهاون عملت واشنطن على ترسيخه، باستمرار. المظلة الأميركية الواقية، وفّرت لها الغطاء. الدرع الواقي هذا، لعب دور المحرّض والحافز لها، لارتكاب المزيد من الاعتداءات والفواحش، الدموية والتدميرية. وها هو اليوم، نفس المشهد وذات السيناريو، يتكرر على أرض غزة؛ كما على مسرح مجلس الأمن. تفتعل مواجهة عسكرية، أعدّت لها؛ باعتراف الصحافة العبرية؛ منذ أكثر من ستة أشهر. تطلق العنان لآلة التدمير التي تملكها. كل ما في طريقها من بشر وحجر، لقمة سائغة لنيرانها. تتعمد صيد المدنيين العزل، بالألوف.

الأنكى في هذا الوضع ؟ الذي لا يستغرب أن تكون إسرائيل صانعته، لأنه من طبائعها، أن تتواصل المماحكات في مجلس الأمن، لعرقلة صدور قرار بوقف النار؛ وذلك بفعل التعجيزات والعراقيل الأميركية، الرامية إلى توفير المزيد من الوقت لإسرائيل كي تمعن في جريمتها. من المعيب أن تمر هذه الجريمة من دون إرغام إسرائيل، ولو مرة، على الرضوخ والانكفاء. ومن المعيب أكثر أن يجري التخريب على مثل هذا الإجراء.