من السهل على جيش ما أيا كان حجم قوته أن يطلق الطلقة الأولى ليشن حربا.. ولكن من الصعب عليه جدا أن ينهيها وقتما يريد بالنتيجة التي يريد، وما لم يحدد للحرب هدفا عسكريا تكتيكيا ممكنا، وهدفا سياسيا إستراتيجيا يمكن تحقيقه، فإنه يواجه الورطة والإخفاق والفشل في النهاية.
إن أهداف الحرب العدوانية المجنونة ضد الشعب الفلسطيني في غزة الصامدة كما صاغها السياسيون المهزومون سياسيا في «إسرائيل» والمأزومون في قضايا الفساد والمتراجعون شعبيا في سوق المزايدات الانتخابية، وكما حددها جنرالاتها المهزومون عسكريا على ضفاف القناة وعلى تلال لبنان، والمدانون قضائيا أمام لجنة القاضي «أجرانات» بعد نصر المصريين والسوريين عام «73»، وأمام القاضي «فينوجراد» بعد نصر اللبنانيين عام 2006 هو «خلق واقع أمني آخر في الجنوب، على مدى الزمن، في ظل تحسين الردع الإسرائيلي».
وهى صياغة فضفاضة لاتكتيكية ولا إستراتيجية، وتعكس الشعور بالضعف والخوف أكثر من الشعور بالثقة والقوة، وهذا سر جنون الحرب ووحشيتها والإفراط المفرط في استخدام القوة لاستعراض هستيري جنوني غبي لهذه القوة في منطقة توهموا أنها غير قادرة على الصمود أو الرد لتحقيق «انتصار» تليفزيوني ، عله يعيد بعضا من الهيبة السياسية الضائعة وبعضا من قوة الردع المحطمة على مليون ونصف فلسطيني أعزل لا يملكون جيشا ولا سلاحا جويا ولا بحريا ولا صواريخ مضادة للطائرات الحربية الأميركية الصنع، بل حتى بلا غذاء أو دواء أو كهرباء بفعل الحصار الظالم.
الأمر الذي من شأنه عسكريا ـ أيا كانت النتيجة ـ تفجير مكامن القوى المضادة بكل الغضب والمرارة والرغبة الشعبية في الثأر لسنوات قادمة وحرق وتوسيع قاعدة المواجهة ليس مع فصيل فلسطيني واحد ولكن مع كل الفصائل الفلسطينية، وليس مع الشعب الفلسطيني فقط بل مع كل الشعوب العربية والإسلامية، لا بل والعالمية الحرة أيضاً التي خرجت في مظاهرات شعبية غاضبة وغير مسبوقة ألفية ومليونية على امتداد قارات العالم ترفض الإرهاب الصهيوني والعدوان الإجرامي وتناصر الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة وإنهاء الاحتلال الإرهابي.
ومن شأن هذه المحرقة سياسيا إحراق الهدف الصهيوني، بعدما بدأ ينقلب السحر على الساحر، وإحراق إمكانية استمرار المفاوضات وما يسمى بعملية السلام الأميركي، أو استقرار الاحتلال ومستقبل الوجود الصهيوني ذاته، بعدما أصبح في مواجهة مع كل شعوب الأرض، كما ستحرق ذلك النظام الدولي المتأمرك الظالم والمنحاز والعاجز، وكل ضمانات الأمن الإسرائيلي المتصدع بعدما زاد حماته وتابعوه في الغباء التكتيكي وقصر النظر الإستراتيجي.
ولأن عسكريا محترفا كباراك الذي يقود هذه الحرب المجنونة يعرف ذلك وإن كان لا يطبقه، كان هو الذي حذر أولمرت بعد بضع ساعات من اختطاف الجنديين الأسيرين (حتى الآن) في جنوب لبنان، قائلا: «من المهم جدا تحديد كيف ومتى تنتهي (الحملة) إذ كلما مر الوقت يزداد احتمال التورط»، ولأن هذا صحيح اليوم كما كان بالأمس، فلقد وضع أهدافا غائمة وعائمة ومطاطة كهدف للهروب من وصف «الفشل» الآتي حتما.
و الجيش الإسرائيلي الآن بكل جبروته بين ورطتين التقدم البري وورطة التراجع، وكما يقول الإسرائيليون أنفسهم: «بالأمس في لبنان بات واضحا من انتصر. أما اليوم في غزة فلا نعرف، وسنحصل على الجواب فيما بعد».
ترى من سيدفع الثمن؟.. إن غداً لناظره قريب.