سوف تتولى إدارة أوباما الحكم في العشرين من يناير الحالي لتجد نفسها محملة بميراث بائس خلفته لها إدارة بوش. ولا يمكن في الواقع متابعة أداء الإدارة الجديدة ولا الحكم على ما سوف تقوم به دون الإلمام بطبيعة التركة الثقيلة التي تركها لها بوش.

ورغم أن القاصي والداني يعرف الكوارث التي حلت بالسياسة الخارجية الأميركية في عهد بوش وبينما يتابع العالم كله الآن نتيجة سياسات بوش الاقتصادية إلا أن القليلين هم الذين يعرفون على وجه الدقة حجم الكارثة التي حلت بالديمقراطية الأميركية نفسها في السنوات الثماني الأخيرة.

فإدارة بوش التي صدعت رؤوسنا بالحديث عن تصدير الديمقراطية وصدقها للأسف الكثيرون في العالم العربي كانت هي آخر من يحق له الحديث في هذا الخصوص بعد ما فعلته بالديمقراطية الأميركية نفسها. فقد تعرضت الأسس الجوهرية التي تقوم عليها الديمقراطية الأميركية لتقويض منظم في عهد بوش. وهو ما سوف تحاول كاتبة السطور في هذه السلسلة من المقالات إلقاء بعض الضوء على أهم ملامحه.

ولعل أول ما تعرض للقصف المنظم في عهد بوش كان الحريات المدنية. فقد تراجعت تلك الحريات تراجعا غير مسبوق في السنوات الأخيرة. والمسألة لم تتوقف على قانون باتريوت وإنما امتدت لتشمل ما هو أوسع من ذلك بكثير.

أما فيما يتعلق بقانون باتريوت الذي مثل تراجعا غير مسبوق عن الأسس التي طالما قامت عليها حماية الحريات في بلد الحريات، فيكفى القول إنه قد صار مثلا على الأطباء والمستشفيات والمكتبات والجامعات ومقدمي خدمة الإنترنت أن يقدموا دون اعتراض سجلات كاملة عن عملائهم متى طلبتها منهم السلطات الأمنية ودون إخطار العميل بذلك.

وبناء على القانون لم تعد الجهات الأمنية مضطرة لأن تبنى طلبها على وجود «سبب محتمل» يجعلها تعتقد أن الشخص المطلوبة سجلاته قد ارتكب جريمة ما، إذ صار من حق الجهة الأمنية أن تقول ببساطة إن طلبها «يمثل جزءا من تحقيق بشأن قضية من قضايا الإرهاب أو التخابر مع جهات أجنبية».

بل صار من حق السلطات أن تطلب مثلا من مقدمي خدمة الإنترنت سجلات كاملة حتى لو كانت تتابع شخصا واحدا. كل المطلوب من الجهة المعنية هو أن تتقدم بالحصول على إذن إلى محكمة سرية كان قد أنشأها قانون الاستخبارات الذي صدر في عام 1978 والمعروف اختصارا باسم فايزا. وهو القانون الذي ينظم عمليات مراقبة وتتبع الأفراد داخل الولايات المتحدة. لكن باتريوت سهل كثيرا من المعايير المطلوب استيفائها للحصول على الإذن من محكمة فايزا.

غير أن قانون باتريوت قد فتح الباب على مصراعيه لاستخدام وسيلة أخرى أكثر خطورة بكثير وهو ما يعرف باسم «خطابات الأمن القومي»، وهى عبارة عن خطاب يوجه من جهة التحقيق مباشرة إلى مقدمي الخدمات السابق ذكرها مثل المكتبات يطلب سجلات وبيانات كاملة عن فرد أو مجموعة أفراد، دون حتى الحصول على إذن من محكمة فايزا !

كل المطلوب هو أن يذكر الخطاب أن السجلات المطلوبة «مرتبطة بتحقيق جار له علاقة بالأمن القومي». أخطر ما في الأمر هو أن الذي يحدد ما إذا كانت السجلات «مرتبطة» فعلا بتحقيق جار هو مسؤول مكتب التحقيقات الفيدرالية نفسه دون أية مراجعة من أية جهة قضائية لذلك الحكم ولا أية مساءلة من أية جهة سوى من داخل الهيئة نفسها. وهو في الواقع ما لايمكن حدوثه لأنه وفقا للقانون فإن تلك المساءلة من داخل الهيئة تحدث بناء على شكوى بإساءة استخدام السلطة.

وهو أمر نظري بحت لأن الذي تطلب سجلاته لا يعرف أصلا أنه محل متابعة من جهات أمنية، حتى يتقدم بشكوى للتحقيق! وكأن قانون باتريوت لم يكن فيه الكفاية.

فقد أصدر بوش أمرا تنفيذيا كلف بمقتضاه هيئة الأمن القومي بالتجسس دون إذن قضائي على الاتصالات الهاتفية والالكترونية التي تجرى بين من يقطنون على الأرض الأميركية والعالم الخارجي. وقد قامت الهيئة فعلا بذلك بسرية تامة حتى فضحت صحيفة النيويورك تايمز الأمر.

وبرنامج التجسس على الاتصالات دون إذن قضائي برنامج يمثل خرقا واضحا للقانون الأميركى وهو يوضح المدى الذي وصلت إليه إدارة بوش في اعتبار نفسها فوق القانون أصلا. فالإدارة حتى بدعوى حماية الأمن القومي لم تكن في الواقع في حاجة لمثل هذا البرنامج لأن السلطات الأمنية تستطيع بسهولة واضحة أن تحصل من محكمة فايزا السرية على الإذن القضائي. فمنذ صدور قانون فايزا وحتى عام مضى لم ترفض تلك المحكمة سوى خمسة طلبات فقط بالمراقبة بينما وافقت على ما يقرب من 19 ألف طلب.

ثم أن القانون نفسه يمنح الجهات الأمنية الحق في بدء المتابعة دون إذن مسبق إذا ما استدعى الأمر ذلك على أن تتقدم لمحكمة فايزا بالطلب في غضون اثنين وسبعين ساعة.

غير أن الأسوأ من هذا كله هو الدور الذي لعبه الكونجرس فبدلا من التحقيق في ذلك التعدي الصارخ على دوره الرقابي إذا به يقنن تلك الممارسات بل ويعفي شركات الاتصالات التي ساعدت في تنفيذ البرنامج من المساءلة القانونية بأثر رجعى.

كان ما سبق مجرد عرض لبعض وليس كل ملامح انتهاك الحريات والتي لم تتعرض وحدها للقصف المنظم. فقد استخدمت الإدارة التعتيم للالتفاف حول الرقابة التشريعية والقضائية وتم اعتماد التعذيب فضلا عن عسكرة المجتمع الأميركي نفسه وتلك هي الملامح الأخرى لتقويض الديمقراطية الأميركية التي سوف تتناولها في المقالات القادمة بإذن الله.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com