تتلمّس منطقة الشرق الأوسط في هذه الأيام أول فرصة حقيقية للإطلاع على أداء الاتحاد الأوروبي من خلال رئاسته التشيكية الجديدة، وذلك من خلال الوفد الوزاري الذي يسعى وفق الأجندة المعلنة لإيجاد آلية معيّنة لفرض الهدوء في قطاع غزة والتوصل تاليا لحلول أكثر رسوخا من ذي قبل.
المهمة بدت صعبة قبل انطلاقها لأنها دُفنت في ضباب الرؤية أحادية الجانب التي عبّرت عنها الرئاسة الجديدة للاتحاد الأوروبي، والتي بدت بوضوح من خلال التصريحات «الفريدة» التي أطلقها وزير الخارجية التشيكي كاريل شفارتسنبيرغ قبيل استلام بلاده لدفة القيادة الاستراتيجية.
يجب الإشارة في البداية بأن الانحياز التشيكي لإسرائيل يبدو واضحا منذ زمن بعيد وليس وليد المرحلة، وقد تجلّى في صوره الكثيرة طوال الفترة الممتدة بين تاريخ اندلاع الثورة المخملية والوقت الحاضر، برغم سياسة التلميع التي تمارسها الدبلوماسية التشيكية من خلال إظهار تعاطفها النسبي مع القضية الفلسطينية.
ما ميّز المواقف الأخيرة للوزير التشيكي في الواقع لم يكن الجوهر بل التوقيت، حيث لم يتوقع كثيرون بأن «يتجرأ» وزير خارجية دولة ستترأس الاتحاد الأوروبي خلال ساعات قليلة على تحميل الطرف الفلسطيني دون الآخر مسؤولية التوتر الدموي الذي يشهده قطاع غزة. مقابل ذلك لم يتراجع قيد أنملة، ولو دبلوماسيا على الأقل، عن التمسك بإصراره على حق إسرائيل بالدفاع عن استقرارها وأمن مواطنيها بأية طريقة تراها مناسبة.
شفارتسنبيرغ هو من سلالة عائلة نبلاء عريقة في وسط أوروبا تملك بلا شك بصمات واضحة في تاريخ هذه المنطقة. وهو يعتقد في قرارة نفسه، وفي العلن أحيانا، بأنه من خلال مواقفه التي يطلقها إنما يعبّر عن الحقيقة ويدافع عنها.
ولأنه لا يبحث عن الشعبية ولا يسعى لتعزيزها من خلال إطلاق المواقف الدبلوماسية المواربة، فانه يسمح لنفسه «بالتمتع برفاهية قول الحقيقة» مثلما ذكر مؤخرا. هذا، بكل تأكيد، لا يتطلب شجاعة من أي نوع، لأن قول الحقيقة هو أمر حتمي وبسيط ويجب بالتالي أن يكون من السمات بل والمسلمات الرئيسية لأي رجل، فما بالك إذا كان نبيلا ودبلوماسيا في نفس الوقت.
لكن كلام شفارتسنبيرغ يبدو بالنسبة لي مليئا بالثقوب الواضحة لاعتبارات مختلفة وأهمها: أن ما يوصف بالحقيقة قد يكون ركيكا ومشكوكا به إذا انطلق من قناعات وحجج ذاتية مهما كانت قوّتها. وبالتالي فأن ما قد يصدر بهذا الشكل عن مسؤول في ظرف من هذا النوع لا يمكن أن يتسم بكامل عناصر الحقيقة، خصوصا إذا أردنا تحقيق الموضوعية في الطرح على الأقل.
الدبلوماسية التشيكية انطلقت في بداية ترؤسها للاتحاد الأوروبي من معادلة خطيرة قد تصعّب عليها أن تلعب أي دور موضوعي في مشروع التسوية الشرق أوسطية.
مختصر هذه المعادلة هو ما يلي: سنتعامل من أجل تحقيق التسوية مع كافة القوى الفلسطينية «المعتدلة» التي تحظى برضا الأطراف المعنية بهذا المشروع على الجانب الآخر وأبرزها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. أما ما تبقى من قوى خارج هذا الإطار فستبقى معزولة ضمن حسابات منفردة إلى أن تقرر الانضمام إلى قطار التسوية.
ما هو خطير في هذه المعادلة هو أنها تتلاءم بشكل مبالغ به مع توجهات أحد الأطراف المتورطة في الصراع ضد الطرف الآخر، انطلاقا بالطبع من حسابات خاصة معتمدة بالدرجة الأساسية على المستوى الممتاز للعلاقات الثنائية القائمة بين إسرائيل وتشيكيا تحديدا، على حساب الطرف الثالث المعزول سياسيا وهو الفلسطينيون في غزة.
هذه الحسابات قائمة بشكل استراتيجي حتما، وبالتالي فإن بعض المراقبين لا يتوقعون أية مرونة مرحلية حتى لو كانت شرطا لإنجاح فترة الرئاسة التشيكية.
لكنني أعتقد شخصيا بأن ثمة مقاربة أخرى لهذه المواقف التشيكية الصادرة قبل ساعات فقط من تسلم براغ لرئاسة الاتحاد الأوروبي. لقد حرص شفارتسنبيرغ على ما يبدو لتجديد مواقف بلاده في ذلك الوقت بالتحديد، لمعرفته الدقيقة بأنه لن يكون أمامه هامشا كافيا لإظهار الود والتعاطف الكامل مع إسرائيل خلال الستة أشهر المقبلة.
فحسابات الاتحاد الأوروبي تقتضي تقليديا إظهار حسن النوايا تجاه شعوب المنطقة دون استثناء، مع الأخذ بعين الاعتبار كافة التفاصيل المرتبطة بموازين القوى وحجم التأثير على الساحة الفلسطينية وغيرها.
وبالتالي، لا يمكن لأي وسيط أن يدّعي النزاهة المطلوبة بإلحاح في الوقت الحاضر إذا أظهر ولو مجرد تعاطف مبطّن مع هذا الطرف أو ذاك، أو إذا أصر على محاصرة طرف سياسي فلسطيني برغم اقتناعه الواضح بحجم التأييد الشعبي الكبير الذي يتمتع به.
لقد اتهمت الرئاسة التشيكية قبل أن تبدأ بالتورط والانحياز لصالح الطرف الإسرائيلي، لأنها أخذت على عاتقها تنظيم أول قمة لبحث العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، دون أن تكلّف نفسها عناء التفكير بموازنة تلك الخطوة بشيء مماثل على الجانب الفلسطيني، باستثناء بعض التصريحات الفارغة من أي مضمون واقعي.
حسنا فعل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الآخرين بمرافقة الوزير التشيكي خلال زيارته الحالية للمنطقة، وأعتقد بأن الاستمرار بهكذا مرافقة سيكون أمرا مطلوبا وملحا طوال الأشهر المقبلة. وقد يكون مناسبا أن يتسلّل بعضهم إلى قطاع غزة للاجتماع، ولو سرا، بالفلسطينيين لإشراكهم في الحوار القائم حول جهود تحقيق الهدوء الدائم.
ما لم أفهمه من البرنامج المعلن للزيارة هو كيف سيتمكن الوفد من تحقيق ما يرمي إليه من أهداف من خلال الاجتماع فقط مع أركان سلطة تبدو في الوقت الحاضر بالنسبة لكثيرين في العالم محاصرة أكثر من هؤلاء السياسيين المحاصرين في غزة.
باختصار، أن «الحقيقة» الموضوعية مطلوبة في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى.
كاتب لبناني
