جزى الله الشدائد كل خير .. فقد أظهرت معدن الشعوب وأبرزت كوامن العزة القومية واللحمة الإنسانية والاشتداد للأخوة في الدين والوطن انه فعلا خير العزاء من الشعوب العربية والإسلامية ذلك الموقف الصلب والمتوالي الى الشعب الفلسطيني ، فلا جدال في ان الشعب التركي اظهر دعما قويا للقضية الفلسطينية خلال العدوان الإسرائيلي الجاري على غزة حاليا كما لم يظهر منذ قيام الجمهورية التركية في بدايات القرن الماضي . وكلما طالت المأساة اتسعت رقعة التنديد والغضب في مختلف العواصم العربية والإسلامية من تركيا الى إندونيسيا ومن العراق الى المغرب ولا شك ان صمود الشعب الفلسطيني أمام هذه الآلة العسكرية الغاشمة وأمام هذا الاجتراء غير المسبوق على مفاهيم حقوق الإنسان والمعاهدات التي تحمي المدنيين وقت الحرب ، هو الذي حرك وفعل وحشد هذه الروح التضامنية في نفوس الشرفاء والأوفياء لمنظومة القيم الإنسانية التي يجري انتهاكها عبر الغطرسة الإسرائيلية على مدى الأربع والعشرين ساعة في اليوم وعلى مدى تسعة ايام متواصلة .
إن هذه الغضبة الشعبية واسعة النطاق هي خير رد على الذين يزعمون في إسرائيل ان هناك تفهما دوليا لموقفهم حسبما زعم الناطق باسم حكومة الاحتلال أمس فالحقيقة أن الإدانات تتوالى على الهمجية الإسرائيلية المدعومة أميركيا بشكل صارخ يستفز المشاعر ويستثير النخوة الانسانية الى حتمية تعديل الموازين وارغام الأنظمة الماضية في غيها والمناقضة لارادات شعوبها على تعديل موقفها وقد ندهش اشد الاندهاش حين نرى تشيكيا تعلن ان موقف إسرائيل يعتبر (دفاعيا) ثم تضطر لتعديل موقفها فيما بعد حيث لقي موقفها مع بداية رئاستها للاتحاد الأوروبي استنكارا واسعا إلى احد أن بعض الدول في أوروبا اضطرت للتأكيد ان التصريح التشيكي لا يعبر عن موقف تلك الدول .
ومهما كان الأمر فإن واقع الحال يشهد بأن أوروبا ككل عاجزة كنظام سياسي كبير عن مساعدة الشعب الفلسطيني على النحو الذي يتماشى مع العقل والمنطق فالموقف السياسي الأوروبي لا يتفق وثقل هذا الاتحاد الذي هو عضو في اتفاقية 2005 بشأن تنظيم معبر رفح ثم يتقاعس عن أداء دوره في ضرورة تأمين المعبر ووقف الاعتداءات الإسرائيلية حوله التي تمنع مرور المواد الإنسانية وإغاثة الجرحى والأطفال والنساء منهم خاصة . ولا يمكن لثلاثة ملايين يورو من المفوضية الأوروبية لمساعدة اللاجئين أن تحرف الانتباه عن التخاذل الأوروبي المشين في مجلس الأمن وعلى مسرح العدوان الإسرائيلي أيضا .
ان الذين يعتقدون ان تعزيز السلام العالمي يتم بالكلام او حتى بالدعم المتواضع للعمليات الإنسانية واهمون اشد الوهم مع غياب إرادة سياسية قوية وموحدة لوقف اي اعتداء ونأمل في الاستجابة للنداءات الدولية والعربية الشعبية من خلال المسيرات المليونية المتواصلة والتقدم بشجاعة لفعل شيء يضمن للأجيال القادمة مستقبلا اكثر أمنا وأقل عدائية .
