عنوان العملية الإسرائيلية ضد غزة كما حددها اجتماع الحكومة المصغرة هو «خلق واقع امني جديد مختلف وعلى مدى طويل في الجنوب يعزز قدرة إسرائيل الدفاعية» هذا هو العنوان القرار الذي اتخذته الحكومة المصغرة في 19 ديسمبر و«نامت» عليه حتى لحظة التنفيذ واعتماد عنصري المراوغة و المباغتة، لكن ايهود باراك وزير الدفاع يقول: إن هدف العملية هو إحداث تغيير كلي لقواعد اللعبة القائمة.

اللعبة التي حكمت العلاقات بين إسرائيل وحماس منذ عام ونصف تقريبا وبالأخص في الأشهر الست الأخيرة، فيما يزايد نائب رئيس الوزراء حاييم رامون بأن الهدف هو إسقاط نظام حماس. يمكن الحديث عن أهداف ثلاثة محتملة لهذا العدوان الإسرائيلي على القطاع: أولها توجيه رسالة قوية وصارمة إلى حماس لخلق توازن رعب جديد حسب الشروط الإسرائيلية، انه نوع مما يعرف بالردع الاستباقي.

ثانيها، تغيير طبيعة العلاقات المستقبلية أو الانتقالية ضمن أفق زمني مفتوح بين إسرائيل و«دولة غزة» بهدف التوصل لاحقا إلى اتفاق جديد وهو في المنظور الإسرائيلي عنوانه التهدئة مقابل التهدئة مع استمرار سياسة الحصار وخنق غزة لتفجير الوضع الغزاوي في وجه حماس.

ثالثها، إزاحة حماس وإخراجها من اللعبة أيا كانت التكلفة الإنسانية لذلك غير عابئة بأي قيود دولية سياسية وأخلاقية وباعتبار أن موازين القوى العسكرية التقليدية هي لمصلحة إسرائيل رغم أن طبيعة الحرب ليست من النوع التقليدي للاختلاف الكبير بين طرفيها. وتكون إزاحة حماس بشكل تدريجي عبر ضرب بنيتها التحتية وإنزال خسائر كبيرة بقياداتها لإضعافها وإرباكها نحو تهميشها.

أسباب خمسة كانت وراء هذه العملية العسكرية أولا، هدف انتخابي إذ تجري المزايدة بين مختلف القيادات الإسرائيلية عشية الانتخابات القادمة من خلال سياسة التشدد تجاه غزة ورفع سقف المطالب والشروط لتحقيق السلام الإسرائيلي وليس السلام الفلسطيني الإسرائيلي في مناخ إسرائيلي ثقافي وسياسي انزلق كليا نحو اليمين المتشدد سواء كان دينيا أو علمانيا ومن الصعب في ظل هذا المناخ أن يقوم طرف إذا وجد بمعارضة العدوان على غزة.

ثانيا سبب استراتيجي كما كشفت صحيفة هاآرتس، فان التخطيط لهذا الهجوم بدأ منذ أشهر ست أو منذ التوصل إلى تفاهم التهدئة باعتبار أن هنالك توافقا واسعا وراء هذه السياسة، دل على ذلك لاحقا غياب أي معارضة فعلية ومن قوى سياسية يسارية مثلا لهذه الحرب، هذا التوافق الاستراتيجي الذي يقوم على هدف إلغاء المقاومة في لعبة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وانتظار الوقت المناسب لذلك كان سببا أساسيا في تحضيرات الأشهر الستة للعدوان.

ثالثا، الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقدرة الردع الإسرائيلية والتخلص من «عقدة لبنان» أو الفشل في تحقيق انتصار كاسح على الجبهة الشمالية في صيف 2006 إلى جانب إكمال إقفال ملف غزة الذي تركه شارون مفتوحا عند الانسحاب الأحادي في صيف 2005.

رابعا، الاستفادة من الفترة الانتقالية في الولايات المتحدة لخلق وضع جديد أمام الإدارة الديمقراطية القادمة وتحديدا أمام الرئيس اوباما مع وجود تحفظات وتخوفات من أن يقرر الإمساك بالملف الفلسطيني الإسرائيلي مقارنة مع سلفه صاحب الانحياز المطلق والشيك على بياض للسياسة الإسرائيلية فهذه العملية، إما تخلق وضعا جديدا لمصلحة إسرائيل عشية استلام الرئيس الأمريكي الجديد أو تزيد من حماوة الصراع.

وفي الحالتين من تعقيداته فتبعد الرئيس الأمريكي عنه وتردعه عن محاولة الإمساك بهذا الملف المعقد أساسا. خامسا، عمى التفوق العسكري والأخلاقي الإسرائيلي والثقة الزائدة بالنفس والنظرة الدونية إلى الآخر وهي نظرة يعززها التفهم والتسامح والتعاطف الدولي الواسع مع إسرائيل .

كما يعززها الضعف العربي والفلسطيني مما يجعل إسرائيل تسمح لنفسها بإسقاط كافة الخطوط الحمر الإنسانية والأخلاقية والقانونية وتسمح لنفسها بسياسة الكيل بمكيالين او تحديدا يسمح لها الوضع الدولي بذلك. فالقتيل الإسرائيلي يساوي كافة من سقط في المذبحة التي قامت بها إسرائيل ضد الفلسطينيين عندما يحمل الوضع الدولي الطرفين المسؤولية ذاتها فيما يجري فان ذلك يشجع عمى التفوق عند إسرائيل.

سواء جرت هدنة إنسانية أو خفت حدة العدوان تحضيرا ربما لعدوان بري فان المفارقة تبقى أن إسرائيل مضطرة في نهاية المطاف إلى القبول بالدخول في تفاهم جديد مع حماس أيا كان شكل هذا التفاهم وصيغته والأطراف التي ستتولى هندسته. فالتفاهم هو البديل الممكن لانفجار حرب إسرائيلية فلسطينية تعيد خلط الأوراق في المنطقة كليا أو لاستمرار سياسة العدوان المتقطع التي ستؤدي بطبيعة الحال إلى الانفجار.

فلا قدرة لإسرائيل لإلغاء حماس أو إخراجها كليا من اللعبة وفي نهاية المطاف ستتجه الأمور نحو خلق نوع من «تفاهم نيسان» إسرائيلي حمساوي يذكر بتفاهم نيسان اللبناني الإسرائيلي لعام 1996 رغم اختلاف الظروف بين الحالتين.

تفاهم يبدأ بوقف كلي للعدوان الإسرائيلي وبخلق تهدئة على أسس جديدة تتضمن رفع الحصار عن غزة ووجود أطراف متعددة تقوم بدور مهندس هذا التفاهم والشريك فيه والضامن له خصوصا. ويطل الدور التركي كنموذج لهذا الدور المتعدد الأطراف المشار إليه في صناعة هذا التفاهم.

جريمة غزة أدخلت الأزمة بشكل اكبر في أتون الصراعات الشرق أوسطية ولم تستطع أن تخلق ولو هدنة ضمن هذه الصراعات بل زادت في كشفها وفي حدتها.

تفاهم من هذا النوع رغم صعوبة التوصل إليه بشكل سريع، سيبقى المخرج الوحيد ولو المرحلي من هذه الحرب التي تقودها إسرائيل ضد غزة، والتي ستعيد الصراع العربي الإسرائيلي إلى بداياته، فيما يزداد الغضب الشعبي العربي ويزداد معه التهميش الذاتي للدور الرسمي العربي المطلوب ولو في حدوده الدنيا.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr