المحن الأليمة بكل قسوتها تنتج المنح العظيمة بكل روعتها، وتكشف معادن الشعوب العظيمة بكل صمودها وقدرتها على التضحية والشهادة لإعلاء إرادتها ونيل حريتها، وتصنع الأمم العظيمة الحافظة لحقوقها الوطنية والمحافظة على كرامتها. تماما مثلما تكشف طبائع الأهداف الاستعمارية اللئيمة.
وتظهر الفروق الهائلة بين معادن المعتدين الأشرار ونذالة المعتدين الجبناء، وقيمة المدافعين الأحرار والمقاومين النبلاء لكل جبروت الاعتداء دفاعا عن أرضهم وعرضهم وأمنهم وحقهم في الحياة..
ومثلما ترفع الغطاء من على أعين الشعوب عن زيف الكلمات والبيانات الجوفاء التي لم تمنع أو توقف أو تصد إرهابا صهيونيا أو عدوانا أميركيا، وتسقط المحاولات الصهيو أميركية الخبيثة بترويج الشعارات النبيلة كالديمقراطية الحقوق الإنسانية والحرية والسلام للخداع والتغطية.
لتبدو الوجوه الاستعمارية عارية من كل المساحيق، وحشية كما هي حقيقتها، قبيحة كما هي طبيعتها، مجرمة ضد الإنسانية كما هي حروبها، إرهابية ضد الشعوب العربية والإسلامية كما هي ممارساتها، خصوصا فيما يسمى بـ «الحرب على الإرهاب» بالإرهاب الأكثر إرهابا !!..
فما يجري من اعتداءات همجية وإرهابية صهيونية بمباركة أميركية على الشعب الفلسطيني في غزة في ظل ما سبقها من انقسامات فلسطينية ومن خلافات سياسية عربية، بقدر ما تشكل محنة إنسانية فلسطينية كبيرة، وامتحانا عربيا وتشكل أيضاً منحة فلسطينية كبيرة، ومنحة عربية كبيرة بما حققته من إيجابيات شعبية كثيرة..
تمثلت في ارتفاع الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه السياسية في الضفة الغربية وفلسطين المحتلة فوق الخلافات الفصائلية الضيقة تضامنا مع صمود إخوانهم في غزة، بل وتنوعت صور هذا التضامن في الضفة الغربية بالمواجهات الشعبية مع جنود الاحتلال الصهيوني.
والمظاهرات اليومية الغاضبة لتؤكد الوحدة الشعبية الفلسطينية..وبعودة الحجارة التي ترشق المحتلين المعتدين لتعيد مشاهد الانتفاضة الثانية وتفتح الطريق للانتفاضة الفلسطينية الثالثة، وأيضا في ارتفاع الفصائل السياسية المختلفة إلى مستوى المسؤولية الوطنية بوقف الحملات الهجائية وتبادل الاتهامات الإعلامية والوقوف معا ضد العدو الصهيوني مطالبين بهدف موحد هو الوقف الفوري للعدوان والرفع الفوري للحصار بما يفتح الطريق لتجاوز الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية.
وتمثلت في صحوة الشعوب العربية وكان الظن أنها نائمة، وفي تفجر المظاهرات الشعبية الغاضبة في مختلف المدن والعواصم العربية وكان الظن أنها خامدة، وفي وحدة الشعارات التي رفعتها والصيحات التي أطلقتها، وفي أطراف العدوان التي حددتها، وفي المطالب التي وجهتها لكل من يهمه الأمر على المستويين العربي والعالمي، لتعيد التأكيد في أوضح وأروع صورة بأن الشعب العربي واحد وأن عدوهم الصهيوأميركي واحد.
بل إن ما جرى في سائر العواصم والمدن العربية من «صنعاء» إلى «الرباط» مرورا بدمشق وعمان والقاهرة والخرطوم، تماثلت معه تماما المظاهرات الشعبية العارمة في العواصم والمدن الإسلامية من «جاكارتا» إلى «نواكشوط» مرورا بإسلام أباد ونيودلهي وطهران وأنقرة، حاملة نفس الشعارات مرددة نفس الصيحات محددة نفس الأعداء، موجهة نفس المطالب بالوقف الفوري للعدوان، والرفع الفوري للحصار.
لقد فشل العدوان الصهيوني في تصفية القضية الفلسطينية، مثلما فشل في كسر إرادة الصمود والنضال الفلسطيني، ونجح فقط في توحيد الشعب الفلسطيني مع الشعوب العربية والإسلامية بل والعالمية ضد الاحتلال العدواني وضد العدوان الإجرامي وضد الحصار الإرهابي.. وهذه أكبر المنح !