لن نستغرب ما نشاهده على الساحة من انشقاق وفرقة وتمزق هو أقرب إلى الفتنة منه إلى الخلافات التي اعتدنا رؤيتها في كل قضية أو أزمة، فنحن أمة استمرأت الفتن منذ أن اعتلى «الغافقي بن حرب» منبر المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة إثر مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ليؤم المسلمين إبان الفتنة العمياء التي شهدتها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سيطر الثائرون مشعلو الفتنة عليها، حتى تولى الخلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليقود سفينة الأمة وسط الأمواج المتلاطمة ليخرجها من تلك اللجة الظلماء، ويخلصها من تلك المحنة القاسية التي ألمت بها قبل أن يكتمل ربع قرن هجري على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

كان قرار «علي» الأول هو عزل الولاة الكبار الذين كانوا على عهد عثمان رضي الله عنه، والذين اتخذهم أهل الفتنة ذريعة للثورة على الخليفة الراشد الثالث بعد أن اتهموه بمحاباتهم، لتبدأ بعد ذلك قضية الخلاف الكبرى بين علي ومعاوية بن أبي سفيان، تلك القضية التي أدخلت الأمة نفقا مظلما قادها إلى «صفين» لتسيل دماء آلاف المسلمين على الجانب الغربي من نهر الفرات، حتى جاءت لحظة رفع المصاحف على أسنة رماح جيش معاوية الذي أصبحت هزيمته قاب قوسين أو أدنى.

لتبدأ عملية «التحكيم» التي انتهت نهاية لم تُرضِ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وليحدث انقسام آخر في جيش «علي» نفسه هذه المرة وتنتهي حياته على يد «عبد الرحمن بن ملجم» الخارجي الذي انشق مع جماعة من أنصار «علي» عليه فاضطر لمحاربتهم، الأمر الذي شغله عن خلافه الأصلي مع «معاوية» .

وأضعف من جبهته. وهكذا تواصلت حلقات مسلسل «الفتنة» الطويلة منذ ذلك العهد وحتى عصرنا الحاضر بعد أن عجز صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إطفائها في مهدها قبل أن تمتد إلينا، فتحرق الأخضر واليابس في طريقها، وتهدد مستقبل الأجيال القادمة من الأمة.

لعلنا نستذكر هذا كله ونحن على مشارف عاشوراء، تلك الذكرى الأليمة التي تحل علينا هذه الأيام، مدمية القلوب بمقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحسين بن علي» سيد شباب أهل الجنة رضي الله عنه، ومجددة ذكرى الخلاف الذي نشب بينه وبين «يزيد بن معاوية» الذي أخذ له أبوه البيعة في حياته مستخدما كل الوسائل.

واستمال الجميع ما عدا أهل الحجاز الذين كان على رأسهم «الحسين بن علي» رضي الله عنه، لتتجمع في سماء الأمة غمامة أخرى لا تقل ظلمة عن الغمامات التي سبقتها، غمامة أمطرت دما أغرق أرض كربلاء في العاشر من محرم عام 61 هجرية بعد مواجهة غير متكافئة بين جيش قوامه 4 آلاف مقاتل أكثرهم من الفرسان وراكبي الإبل بقيادة «عمر بن سعد بن أبي وقاص» وبين 23 فارسا و44 راجلا هم «الحسين بن علي» وصحبه الذين أبلوا بلاء حسنا في المعركة قبل أن يتساقطوا واحدا بعد الآخر، حتى بقي حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا، لتنتهي المعركة بجزء رأسه الشريف في مشهد من المشاهد الأكثر دموية، ليس في التاريخ الإسلامي فقط، وإنما في تاريخ البشرية جمعاء.

وإرساله مع نساء أهل بيت الحسين اللواتي نجون من القتل إلى بلاط «يزيد بن معاوية» في الشام، هناك حيث تحول الإسلام من منهج الشورى إلى حكم عضوض، توارثه بنو أمية قبل أن ينتقل إلى بني العباس الذين واصلوا مسلسل سفك الدماء، فأهدروا الكثير من دماء الأمويين قبل أن يحسموا الأمر عند نهر «الزاب الكبير» شمال العراق في المعركة التي انهزم فيها «مروان بن محمد» آخر خلفاء بني أمية الذي فر من المعركة وصار ينتقل من بلد إلى بلد والعباسيون يتعقبونه حتى قتلوه في قرية «بوصير» بمصر، وظلوا يلاحقون بقايا الأمويين الذين لم ينج منهم سوى «عبدالرحمن بن هشام» الذي فر إلى الأندلس ليؤسس الدولة الأموية ويبدأ عهد أموي جديد هناك.

هكذا تتحدث أوراق التاريخ منتقلة بنا من فتنة إلى أخرى، ومن خلاف إلى خلاف، ومن دم إلى دم، منذ الفتنة الأولى التي بدأت مع نهاية ربع القرن الهجري الأول.

وما زالت حلقاتها تتواصل حتى اليوم، مسجلة على مدى ما يقارب الأربعة عشر قرنا هجريا سلسلة من المآسي التاريخية، سافكة أنهارا من دماء المسلمين من مختلف الأعراق والبلدان، منهم من اعتلى الكراسي ليعض عليها بالنواجذ ويدافع عنها حتى آخر قطرة من دمه ودم أتباعه، ومنهم من ظل يحلم بذلك الكرسي، متطلعا إلى اليوم الذي يعتليه فيه بعد أن يزيح الجالس فوقه، المستميت في الدفاع عنه.

هذه هي الخلاصة التي نخرج بها من قراءة التاريخ، حدث هذا في الماضي البعيد، حيث تلوثت الأيدي بالدماء، وغاصت الأرجل فيها حتى الركب، وتطايرت الرؤوس هنا وهناك، ثم تكرر هذا في كل المراحل، كأننا نقرأ الرواية نفسها مع تغير أسماء الأبطال والأماكن فقط، أو كأننا ننسخ هذه الروايات ونعيد طباعتها من جديد.

ويحدث هذا في عصرنا الحاضر، رغم كل ما قيل ويقال، مع اختلاف الوجوه والوسائل والمواقع التي تجري عليها المعارك، حتى لو كان القتل يحدث بأيدي أعدائنا، لكن أصل العلة فينا، فنحن الذين نثرنا بذور الفتنة في أرضنا، ونحن الذين سقيناها وأمددناها بكل أسباب الحياة، ونحن الذين ما زلنا نغذيها باستعداء أبناء الأمة على بعضهم، وإثارتهم من أجل غايات لا تختلف كثيرا عن غايات أولئك الثائرين الأوائل الذين زرعوا الفتنة بين أبناء الأمة قبل أربعة عشر قرنا.

عندما تتعالى أصوات دعاة الفتنة ويطغى ضجيجهم، لا يعود هناك محل للعقل والمنطق، وتضيع كل الأصوات التي تدعو إلى قبر الفتنة في مهدها، ولكن هيهات لأمة استمرأت العيش على إذكاء الفتن أن تتعظ من دروس التاريخ وعبره، ليبقى مسلسل الفتن مستمرا، ونبقى نحن نذرف الدموع والدماء، بعد أن أصبحت أيامنا كلها عاشوراء.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com