قرب نهاية عقد الثمانينات من القرن المنصرم أعلن ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وزعيم حركة «فتح» على العالم اعتراف المنظمة ضمنياً بإسرائيل، وتخلي المنظمة عن نهج الكفاح المسلح دون مقابل، أي دون أن توافق إسرائيل على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كامل الأراضي المحتلة في عام 1967.

كانت خطوة عرفات تلك الباعث الأصلي على الانشقاق في الصف النضالي الفلسطيني، واليوم فان تسلسل العدوان الذي ظلت تشنه إسرائيل على غزة بكافة الأشكال حتى بلغ ذروته الآن في الحملة العسكرية الضارية مع الدخول في مفاوضات وهمية «توقفت مؤقتاً» ينهض دليلاً مرئياً على أن الدولة اليهودية هي المستفيد الأعظم من ذلك الانشقاق.

الخطوة العرفاتية المشار إليها لم تأت على نحو مفاجئ، فقد كان لها مقدمة حدثت خلال النصف الثاني من السبعينات حين سعى رئيس منظمة التحرير إلى إقامة قناة اتصال مع الولايات المتحدة.

وبعد تمنع طويل المدى جاءت الموافقة الأميركية أخيراً، لكنها كانت مشروطة. ففي مقابل فتح حوار ـ مجرد فتح حوار ـ اشترطت واشنطن على المنظمة أن تقبل رسمياً قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الذي ينص أحد بنوده على حق كافة الأطراف «بما في ذلك إسرائيل» في نزاع الشرق الأوسط في العيش بسلام وأمان، وبعد أن أعلنت منظمة التحرير موافقتها على القرار الدولي طرحت واشنطن شرطاً ثانياً، وهو أن تنبذ المنظمة نهج الكفاح المسلح المنصوص عليه في ميثاقها.

وكاستجابة لهذا الشرط أصدر عرفات إعلاناً قائلاً: «إننا نتخلى عن كافة أشكال الإرهاب»، وكما اتضح بعد بضع سنين فان هذا الاعتراف المزدوج كان الخطوة الأولى لرئيس المنظمة وزعيم فصيل فتح في الطريق إلى أوسلو. من هنا نشأت معارضة متنامية وسط التيارات الفلسطينية تصاعدت بعد إبرام اتفاق أوسلو في عام ؟؟؟؟، وبلغت ذروة عالية بعد أنشئت «السلطة الوطنية الفلسطينية» داخل الأرض المحتلة..

وخاصة بعد أن قررت فتح إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني الذي ينص على أن الكفاح المسلح هو الأسلوب الأوحد للنضال الفلسطيني. جوهر الخلاف الراهن هو إذن اختلاف رؤيتين متناقضتين تجاه التعامل مع القضية الفلسطينية. ويبقى سؤال: هل يمكن ابتداع معادلة لإزالة هذا التناقض؟ ن

عم: معادلة توزيع الأدوار. وهو أن يتحقق اتفاق بين الفصيلين يتولى طرف بموجبه دور التفاوض مع الجانب الإسرائيلي على أن يقوم الطرف الآخر بدور المقاومة والرفض لمساندة الفريق التفاوضي الفلسطيني. وإلى أن يتحقق هذا الحلم ستبقى إسرائيل المستفيد الأكبر والأوحد من الانشقاق الفلسطيني.

opinion@albayan.ae