الحصار على غزة، والتدمير من الجو والبحر، والتمهيد لغزو عمقها بالقوات البرية، والقتل المتعمد بإصرار إسرائيلي، ويأتي التعبير بالتظاهرات والخطب، وحرق الأعلام عمل شعبي عفوي، وصادق، وهو يختلف عن مواقف الدول بحسب تعليلاتها وتصوراتها المرتبطة بجملة مفاهيم واعتبارات داخلية وخارجية..

خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله أطلق مشروع التبرعات من المواطنين والمقيمين وهي ليست البادرة الأولى من المملكة، والمعنى هنا أنه إذا كانت المعابر مغلقة على الأغذية والأدوية والوقود كي لا تصل إلى المواطنين الفلسطينيين في غزة، فالأوءلى أن يشعر كل مواطن أن واجبه لا يتعلق بترديد الشعارات إذا كان الفعل أجدى من القول في زحمة الآلام التي يعيشها الشعب العظيم في فلسطين..

فالمساهمة (على قدر العزم) هي رصاصة بيد المحارب، ولقمة بفم الشيخ، وكأس حليب في أمعاء الطفل، ونحن في هذه الظروف نحتاج إلى إحياء التضامن الفعلي، وهو المقياس للعمل من أجل الشهداء أو من ينتظرون الشهادة في حصار لم نره إلا في البربريات الأولى..

وإذا كان المواطن في هذا البلد خيّراً بطبيعته وسليقته، وأن تدافعَ الناس في التبرع بالدم لجرحى غزة هو نموذج رائع، وعندما نصله بتبرع مالي نقدي أو غذائي، وكسائي وغيرها فإن التعبير بهذا الواجب يكون أكثر تماساً مع الذين يواجهون مصيرهم بشجاعة نادرة..

ومثلما بدأ الرئيس بوش رئاسته الأولى بحرب احتلال للعراق وأفغانستان، فهو يبارك في نهاية أيامه استباحة الدم الفلسطيني، وهذا التحالف مع القيادات الإسرائيلية، يعطينا اليقين أننا نتوهم إذا كانت الحلول الخارجية تطبق معايير أخلاقية في حقوق الإنسان وحرياته وصيانة ممتلكاته، وبالتالي إذا كان العرب والمسلمون غير قادرين على خوض حروب قصيرة أو طويلة المدى، فإن ريالاً واحداً من مليار مسلم، سيعطينا رقماً كبيراً في دعم الشعب الفلسطيني والوقوف معه بسلاح الدعم الممكن، وغير المكلف، ولعل الاقتداء بدعوة الملك عبدالله كامتداد لعطاءات مختلفة، يضع المواطن شريكَ حق ووجود، حيث إن مساهمته تبقى الفعل الإنساني الأهم، ولعل الشعور بالمشاركة في دعم أخ له كل الحقوق علينا، يتخطى الخلافات ورمزية الاحتجاجات إذا كان كل إنسان يشعر بواجبه ويعتمد تنفيذه..

غزة هي نموذج البسالة النادرة في زمن الانكسارات، ونحن هنا لا نتحدث عن بطولات يخوضها بالنيابة عنا رجال ونساء وأطفال وشيوخ في مواجهة غير متكافئة بالقوة ولا بالأهداف بين من يتعامل مع واقعه بتحرير أرضه، وآخر يجعل ذرائع القتل مبدأ وعقيدة ثابتة في مسيرته وأيدلوجيته، ومن هنا يأتي الالتزام بالواجب البسيط أقل الأعمال التي تفرض علينا أن نكون جزءاً في القضية الفلسطينية ودعمها..

مناظر جثث الأطفال والنساء وكل من تطاله أسلحة إسرائيل تعطينا اليقين أن هذه الدولة الفاشية تعيش في حماية دول لا تقل شراسة في نظرتها لنا ولمقدساتنا وكل ما يتصل بحياتنا، ولذلك يأتي استهداف الفلسطينيين كنموذج مكرر لحروب استعمارية واحتلال، وحملات ضد تراثنا وعقيدتنا وتاريخنا المتماس مع الغرب ومن يحالفونه..