تشن الآلة العسكرية الإسرائيلية عدواناً غاشماً على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة ملحقة أضراراً مدنية جسيمة بالفلسطينيين الأبرياء حيث مئات الشهداء وآلاف الجرحى. الكثير من دول العالم دعت إسرائيل إلى وقف عملياتها العسكرية ضد القطاع والعديد منها يتحرك دبلوماسياً في هذا المجال إلا الولايات المتحدة الأميركية التي قدمت حكومتها دعماً سياسياً واضحاً لإسرائيل في عملياتها العسكرية ضد الشعب الفلسطيني.
ووصفت تلك العمليات بأنها ردة فعل لدفاع إسرائيل عن ذاتها أمام الصواريخ الفلسطينية التي تنطلق باتجاهها من القطاع. لم يكن ذلك الموقف غريباً على حكومة الرئيس جورج بوش الابن التي تعتبر إدارته أكثر المساندين لإسرائيل بين الإدارات الأميركية السابقة. لكن الملفت للنظر ليس موقف الحكومة الأميركية الداعم للعدوان الإسرائيلي بل أن الملفت للنظر هو سكوت الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما عن تحديد موقفه مما يدور في قطاع غزة من عدوان مشين.
ففي خضم أحداث غزة لم نسمع شيئا من الرئيس الأميركي المنتخب الذي كان يقضي إجازته في هاواي مع العائلة سوى تصريح من أحد المتحدثين باسمه بأن الرئيس المنتخب «يتابع عن كثب أحداث غزة» ومحاولة لإبعاد نفسه رفع شعاره الدائم بأن هناك «رئيساً واحداً للولايات المتحدة» وهو في هذه الحالة الرئيس جورج بوش الابن الذي له الحق الدستوري في الوقت الحالي في التعامل مع مثل تلك الأحداث باسم الولايات المتحدة الأميركية، لذلك فضل أوباما السكوت.
سُكوت أوباما لم يأت من فراغ بل يحمل في طياته لدى المحلل السياسي تحقيق هدفين أساسيين هما: أولاً أن هذا السكوت هو رسالة إلى الفلسطينيين والعرب بأن الرئيس الأميركي المنتخب لا يود أن يغضب العرب بوقوفه مع الإسرائيليين ودعمه للعدوان على غزة.
وبالتالي محاولاً فتح الاحتمالات على مصراعيها بأن الرئيس المنتخب سيعمل على أن يكون حيادياً وغير منحاز بشكل واضح لطرف ضد طرف آخر في تعامله مع ملف القضية الفلسطينية؛ وثانياً أن هذا السكوت هو رسالة إلى الإسرائيليين بأنكم افعلوا ما شئتم وحققوا انتصاراتكم من أجل أن تتقوى شعبية حزب كاديما في إسرائيل.
وبالتالي يستطيع تحقيق النصر في الانتخابات الإسرائيلية القادمة في شهر فبراير المقبل وبالتالي تعزيز فرص تحقيق السلام في المنطقة بعيداً عن مجئ حزب الليكود المتشدد - والذي قد يُدخل كما يشير العديد من المحللين الأميركيين - المنطقة والولايات المتحدة معها في دوامة صراعات جديدة مع إيران وسوريا وهي الدوامة التي لا يود الرئيس الأميركي المنتخب دخولها في فترة رئاسته.
فالسكوت عن ما يحدث في غزة كان خيار أوباما الأمثل كي يتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد أي تحقيق مصلحته في عدم إغضاب الطرفين وتقوية فرص السلام في عهده. وما يدعم فكرة أن السكوت كان متعمداً من قبل الرئيس المنتخب أوباما هو أن أوباما كان قد أصدر بياناً أثناء أحداث التفجيرات الأخيرة في بومباي يدين فيها تلك التفجيرات ويدعو الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقتها بحلفائها في مواجهة الإرهاب.
هذا الأمر يشير بالطبع إلى أن سكوت أوباما حول العدوان على غزة لم يكن لإيمانه بأن هناك رئيساً واحداً للولايات المتحدة ولا يود هو بالتالي التدخل في شؤونه في تسيير سياسة الولايات المتحدة في الخارج وإنما هي إشارة لحساسية الوضع الذي لا يرغب أوباما الظهور من خلالها بالتحيز المعلن إلى جهة ضد جهة أخرى ولكي لا يعيق ذلك الأمر سياسته في التعامل مع ملف الصراع العربي ؟ الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.
لكن دعونا نكن واقعيين ونحلل الأمور من منظورها الطبيعي، الرئيس المنتخب أوباما ربما سيعمل وينشط في مجال القضية الفلسطينية لكن الحقيقة هي أن شيئاً جديداً لن يتحقق في هذا المجال لعدة أسباب. أول هذه الأسباب هو أن الوضع الداخلي في الولايات المتحدة لم يتغير على الإطلاق بمعنى أن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ما زال قوياً ومؤثراً على سياسات الرئيس الأميركي تجاه منطقة الشرق الأوسط.
فمع غياب لوبي عربي قوي واستمرار اللوبي اليهودي في قوته فإن إحداث تغيرات على مسار القضية الفلسطينية بالنسبة للموقف الرسمي الأميركي لن يكون بذلك الأمر المرضي لطموحات الفلسطينيين والعرب. وثاني تلك الأسباب هي حالة الانقسام الفلسطيني الداخلية بين فتح وحماس.
مثل هذا الانقسام الفلسطيني الداخلي وغياب الرؤية الفلسطينية المشتركة لكيفية التعامل مع إسرائيل يُصعب كثيراً من مهمة الرئيس الأميركي المنتخب في التوصل إلى صياغة تسوية للقضية الفلسطينية تلبي الطموح الفلسطيني. وثالث الأسباب هو حالة التمزق والتشرذم في الموقف العربي المقسم.
وفي ظل هذا التشرذم العربي فإن عملية الضغط على الرئيس الأميركي المنتخب من قبل الدول العربية في اتجاه حل القضية الفلسطينية وإيجاد تسوية مرضية للفلسطينيين والعرب ستكون محدودة للغاية، الأمر الذي يُصعب من مهمة الرئيس الأميركي المنتخب في التعاطي مع الملف الفلسطيني.
وفي ظل جميع تلك الأسباب المعيقة لتحرك الرئيس الأميركي المنتخب في التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية فإن الرئيس الأميركي المنتخب سيكون أكثر انغماساً في قضايا الداخل مع الأزمة الاقتصادية التي تعصف ببلاده والتي يمكن لها إذا ما استمرت أن تعصف به خارج البيت الأبيض بعد أربع سنوات عندما تنتهي فترة ولايته الأولى ويدخل حزبه من جديد في منافسة شرسة مع الحزب الجمهوري المتعطش للعودة إلى البيت الأبيض.
القضية الفلسطينية لا تمثل أولوية للرئيس الأميركي حيث أن الأولوية القصوى للرئيس المنتخب أوباما في فترته الرئاسية الأولى هي إعادة الحياة للاقتصاد الأميركي كي يتمكن هو من الفوز في الانتخابات للولاية الثانية بعد أربع سنوات .
ويتمكن حزبه من تعزيز سيطرته على الكونغرس الأميركي. هذه هي المهمة الرئيسية التي ستشغل بال الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في فترة ولايته الأولى وتشغل بال قيادات حزبه الديمقراطي، أما فلسطين فإنه في ظل الظروف المذكورة أعلاه فإن أوباما لن يجد ما يحمسه كي ينغمس بشكل كبير في إيجاد حل لها.